«أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله»

لربما أنه من السخيف أن تطرح في وطنك أسئلة السياح: «من هذا وما هذا»؟.. من السخيف جدًا أليس كذلك؟ ولكن الأسخف مما سبق أن تمنعك الحواجز من التمتع والسؤال أي أن لا تستطيع التنقل مع هوى وطنك كطائر الرفراف، أن لا يمكنك التمتع بطبيعته الخلابة -وقتما شئت- جباله، ووديانه، وسهوله وأغواره، أن تشعر ما لو أنك دمية يحركها «مصيص» التصريح.

ففي رحلتي القصيرة  إلى ما قبل جدار الفصل العنصري، حيث عاصمة وطني الذي لم أره سوى رسوم وأرقام في المقررات المنهجية، الطريق ليس بطويل، فالمسافة الفاصلة ما بين المدينة المحررة الذي شبعت من النار -غزة- والمدينة المحتلة سويعات ولكن بفعل الحواجز الحديدية والبشرية قد كانت الطريق طويلة وبفعلها أيضًا ثمة أصدقاء لم أستطع الذهاب إليهم ولا هم استطاعوا الإتيان إلي (لا استطاعوا شم الحروب في إبط وجهي ولا استطعت شم الشوق في قميص قلوبهم).

مرفوعة الهامة أمام الحاجز أنتظرُ صديقتي النابلسية التي ستأتي من ورائه، «تك تك»  ينقر صوت حذاء الجندي الأحمر خزان رأسي الممتلئ بالذكريات، ينبعث من فوهات «الهيدفون» صوت مارسيل خليفة «وقفوني على الحدود قال بدهم هويتي» بعد أن أدرت بمحرك البحث لسماعها  كي تؤنس حيرتي.

ضاع شوقي هباءً منثورًا من أجل محتلٍ جبان يحمي رأسه بخوذة من فولاذ وكذلك صدره، من السخيف أن تدور حولك مرتعشًا من القهر وفرض عينٍ عليك الخضوع والصمت، لا يزال حذاؤه ينقر؛ استيقظت فيّ ذكرى باردة -قديمة- لربما كنت في التاسعة من عمري حينها لكني لا زلت أذكرها.

كانت مدينتنا -غزة- آنذاك الوقت محتلة هى الأخرى – قبل انسحاب المحتل عام 2005 -، فقد كان الاحتلال الصهيوني يفصل المحافظات الجنوبية عن باقي القطاع بحاجز -أبو هولي المطاحن-.

كانت لي خالة تقطن ما وراء الحاجز -محافظة خانيونس- كنا نزورها في العام مرة واحدة -على الأقل- إذا ما طرأ طارئ يجعلنا نزورها مرة ثانية، وفي ذلك اليوم في طريق زيارتنا لها تعثرنا بالحاجز فصارت أمي تحمل بين يديها جنينها المحمول بحبلٍ سري في شهره الثامن خوفًا من أن يضرب أحدهم به بعد أن نزلنا من السيارة وجلسنا على الأرض، بعضنا يأخذ قيلولة والبعض الآخر يهشُ الذباب عن وجوه النائمين، أربع ساعات على التوالي وفوهةِ بندقية ذلك الجبان المختبئ في قبة مصانة -أبراج المراقبة- تتوجه نحونا يمينًا ويسارًا، امرأةٌ ثلاثينية يربت صغيرها على كتفها، رجلٌ خمسيني يصلي، رجلٌ ستيني يتكئ خده المتعب على يده المشبعة شراينها بزيت الزيتون فتبرز كأغصان.

بينما في الشق الآخر من الحاجز -أي السيارات الذاهبة إلى  محافظة غزة- سيارة مزينة بالورد الأبيض وواحدة حمراء في داخلها فتاة تبكي قد تأخرت عن موعد زفتها -غربت الشمس وما بعد غروبها-، لا هي تستطيع العودة إلى محافظتها فتحتفل بليلة عمرها مع أهلها وعريسها وأمه ولا تملك أجنحة تسطتيع بهما الطيران إلى حيث الفتيات اللواتي ينتظرنها.

حينها أشرق المحتجزون كي يضيئوا عينيها اللتين اختلطا كحلهما بحنطية وجهها  فراح بعض الشباب يشبكُ أيديهم مع بعضها البعض كالبنيان المرصوص بدائرةٍ نقطة مركزها العريس وبعضهم الآخر يدق على أسقفة السيارات كالطبول، السيدات يصفقن، عجوزٌ تغني أغاني البلاد، أم العريس تطلق زغاريدها والصغار يرقصون.

صار صمودنا يستفز أولئك الجنود صرخ أحدهم بالمايكروفون «وكف الشغب وكف» لكننا شعب الجبارين الذي لا يعرف الهزيمة هذا ما قاله الشهيد ياسر عرفات في إحدى خطاباته، لذلك لم نكف عن الفرح إلا أنهم الجبناء أطلقوا بعض الرصاصات في الهواء، خافت الأمهات على الشباب ورحن يرجوهم صمتًا فصمتوا تلبية لرجائهن وعادت العروس لبكائها ثم إنه بعد قليل فُتح الحاجز بعد ست ساعات احتجاز ونصفهما.

ثم جاء المخاض لأمي على جذع السيارة، هزتها؛ فتساقطت عليها صلابتها صبرًا حتى أن وصلنا بها إلى المشفى فوضعته ذكرًا وأسماه أبي؛ خالدًا.

أيقظتني من ذاكري هذه رسالة نصية وصلتني من صديقتي الكائنة وراء الحاجز، بأن كثيرًا من الشوق لم يشف بعد وكأنه لن يشف، فلعنتُ الاحتلال وارتفعت أكثر.

قلت في نفسي وأنا أمر في وطني البهي بقهرٍ: عذب بما شئت حتى وإن متنا وكنا ترابًا فإننا نعود منها إليها شجرًا من اللوز، إننا لخالدون.. ثم تسألت: متى ستذوب كل الحواجز؟، متى سيزول الاحتلال؟، متى سنصنعُ عرسًا فلسطينًّا بحتًا؟، متى يا صفية سيحدث هذا كله؟ ويكون الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

غزة, فلسطينيات
عرض التعليقات
تحميل المزيد