9 أبريل.. وعي الماضي ورسالة الحاضر

لا يشك أحد في أن أحداث 9 أبريل (نيسان) 1938، مثلت منعرجًا حاسمًا في تاريخ الحركة الوطنية، ومسيرة تونس نحو الاستقلال. كما لا يشك أحد في كونها أضخم مسيرة عرفتها البلاد التونسية حتى ذلك الوقت، فأكثر من نصف الشعب كان مرابطًا في الشوارع. ولكن، أليس جديرًا بكاتب التاريخ أن يتمهل قبل أن يسجل هذا اليوم في خانة الأعياد دون أن يعي منسوب الوعي الوطني في تلك اللحظة؟

الشعارات المرفوعة كانت: برلمان تونسي- حكومة وطنية- تسقط الامتيازات. كلها شعارات تصب في خانة واحدة هي أن تونس للتونسيين فقط بدون أي تمييز بينهم. إنها لحظة استحضر فيها المواطن التونسي آنذاك قيمة السيادة الوطنية، والتي يعد الاستقلال هو البوابة الرئيسية للعبور إليها. لم يكن الشعب التونسي آنذاك غافلًا عن معنى تجهيز الاستعصاء، بعبارة أوضح، كان يعد العدة لما بعد تغير الخارطة الدولية لما تنتهي حالة الحرب التي كانت بارزة للعلن حتى قبل 1 سبتمبر (أيلول) 1939، بحيث يكون الشعب معبئًا وجاهزًا لخوض معركة الاستقلال.

إن تلك الشعارات المرفوعة تدل على أن الشعب تلمس الأهم قبل المهم؛ لأن تحقيقها سينقل البلاد من حالة الخضوع إلى حالة الفعل والمبادرة، فلا كيان للدولة دون سيادة شعبية ممثلة في البرلمان التونسي، وإدارة حكم جامعة للتونسيين من خلال الحكومة الوطنية، ومساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات دون إسقاط للامتيازات، هذه المطالب تعني أن لا حكم لتونس إلا من أبنائها وبالتالي دحر المحتل. طبعًا المحتل الفرنسي كان واعيًا بأهمية المطالب، وسرعة تحرك التونسيين؛ فسارع إلى قمع المسيرات بالرصاص؛ مما أدى إلى ارتقاء زهاء 150 شهيدًا في سبيل الله.
يقول ابن خلدون إن التاريخ في ظاهره لا يزيد على الإخبار، ولكن في باطنه نظرًا وتحقيقًا.

فلحظة ما بعد 9 أبريل 1938 هي لحظة النظر و التحقيق. وها نحن اليوم تمر 79 سنة على هذه الذكرى المجيدة. لا تكفي الاحتفالات والإحياء، ولا معنى لأي تمجيد لشهدائنا دون أن ننظر في واقعنا ما إذا تجمعت شروط الوفاء لمطالبهم. هذه المطالب تحضر اليوم في واقع تونس بكل قوة طارحة سؤال المعنى. قد لا أبالغ عندما أقول إن 20 مارس (آذار) 1956 لا يكتسي بالأهمية ذاتها لتاريخين مهمين جدًا، وهما 9 أبريل 1938، و14 جانفي (يناير- كانون الثاني) 2011.  المطالب ذاتها،  الهبة ذاتها، القمع ذاته، المكان ذاته، الوعي ذاته، البوصلة ذاتها، الأهداف ذاتها. هذا ما يعني أن دولة ما بعد 1956 فشلت فشلًا تاريخيًّا ذريعًا في ترجمة هذه المطالب التي كانت رموزها تقود مسيراتها ودفعت الثمن غاليًا من جرائها.

ويحق للسائل أن يسأل لماذا فشلت؟ الإجابة لا تتطلب مجهودًا خارقًا. التأمل في المسار التاريخي لنيل الاستقلال وحده كفيل بتوضيح الصورة. فالكثير يرون الأشياء من منظار المرآة المنكسرة؛ فتظهر لهم صورة مشوهة وبعيدة عن الواقع. فهل كان استقلالًا حقيقيًّا؟ طبعًا لم يكن كذلك بدليل ما تضمنته وثيقة ما يسمى بالاستقلال بنودًا تكرس الهيمنة الفرنسية على تونس. فما بني على مقولة تحسين شروط التبعية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعيد الحق لأصحابه، أي إعادة القرار لمالكه وهو الشعب.

إن لحظة 9 أبريل و14 يناير، تعبران عن أن السيادة الوطنية حاضرة في أذهان التونسيين بقوة. إن المطلوب من سائق الدولة ليس التفاتة للوراء لاستحضار قيم 9 أبريل و14 يناير، بل رؤية للمستقبل تحمل مواصفات هاتين اللحظتين. ولي أن أختم بالتساؤل التالي: هل تونس اليوم في 8 أبريل أم في 10 أبريل؟

الإجابة عن هذا التساؤل تستدعي التوقف عند مسألتين: الأولى متعلقة بترسخ مفهوم السيادة في كل تحرك شعبي. فكل جهة تدافع عن مكاسبها وعن فضاءات تحركها. الشعب يدافع عن كيانه وسلطته وهذا المسمى بسيادة الشعب. فلا يخلو أي تحرك شعبي من الإرادة العميقة في التذكير بأن سيد هذه البلاد هو شعبها. المسألة الثانية متعلقة بالمنجز، الذي يتطلب الكثير من الجرأة. وكذلك قراءة التاريخ وليس سرد التاريخ. فكما قال شاعر الخضراء إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر. فهل يستجيب القدر؟ وكيف نستدعي دعائم استجابته؟ نترك الجواب لما سيقرره الشعب التونسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد