ويبقى «البيان الشيوعي» حاضرًا بقلب العُمال. يدفعهم نحو الاحتجاج في عيد العمال العالمي؛ مطالبين بتحقيق المساواة الاجتماعية وكذلك مؤكدين ضرورة الالتزام بمطالب العُمّال.

والعامل في رأي الطبقة البرجوازية لا يتعدى كونه أداة من أدوات الإنتاج التي تزيد مع الربح وتخضع لقوانين السوق؛ لذا فهم مجرد سِلعٍ ما يخضعون للعرض والطلب بحسب حركة السوق!

إلا أن الهدف الأساسي منهم هو: تحقيق الثروة للبرجوازي، مقابل جهد كبير وأجر قليل! وساعات عمل طويلة جدًّا يتم التعويض عنها بذلك الأجر المنخفض؛ ويستمر استغلال العامل بهذه الحِيلة!

وتاريخ المجتمع كله عبارة عن طبقتين تستمر في الصراع الطبقي وهما (البرجوازية والبروليتارية) إذ قامت البرجوازية على أنقاض الإقطاع وبدأت التسلط الدائم على هذه الطبقة (البروليتاريا).

والدولة لا تتخطى كونها هيئة سياسية لحماية المصالح البرجوازية؛ وبهذا هي تساعد على ظلم البروليتاريا لتحافظ على وجود الطبقة البرجوازية فتقوم بوضع إجراءات سياسية تخدم مصالحها.

ويتحتم على ذلك أن تكون الطبقة البروليتارية منظمة ومستعدة للثورة على البرجوازية لأنها تحتاج إلى قلب البناء الفوقي لكي تتحكم بالسلطة وتسقط جميع الأدوات البرجوازية.

ولكن البروليتاريا تعرضت دوما إلى الاستغلال من الطبقة البرجوازية وساعات العمل والأجور القليلة وكذلك إلى الاستغلال السياسي من طرف ما تحت البروليتاريا (اللومبنبروليتريا) الاستغلاليين!

هكذا يتصور ماركس وإنجلز المجتمع الإنساني. بهذه الفلسفة الاجتماعية الاقتصادية السياسية، ومن خلال هذا النموذج يحاولون تقديم تفسير مادي للكون والإنسان؛ انطلاقا من هذا الصراع.

وما نراه الآن في الاحتجاجات العمالية حول العالم هو امتداد لهذه الوثيقة التي أصبحت بالفعل تمثل الفكر الكلاسيكي الماركسي الذي ينبض بالحق في هذه الوثيقة التاريخية المليئة بالإنسانية.

لقد انتهى الحلم الماركسي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ولكن الأفكار الماركسية الثائرة ما زالت ترفرف أرجاء الكون لتولد مع كل طفل يستقبل الحياة بهذه النزعة الإنسانية العادلة.

وإن كان القضاء على البرجوازية بات أمرًا مستحيلًا فإن التنظيم البروليتاري أمام البرجوازية أصبح حقيقة عالمية متمثلة في دور النقابات والأحزاب الاشتراكية السياسية المدافعة عن قضايا العمال

وقد شهد العالم يوم أمس تظاهرات عمالية حاشدة في بعض العواصم العالمية في كل  من: (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، تركيا)، وهذه العواصم تحديدًا ينتشر فيها الفكر الماركسي.

وهذه الأحزاب السياسية هي التي ساهمت في عملية تثقيف المجتمعات وإعداد الجماهير لمثل هذه الاحتجاجات؛ وأيضا هذه العواصم كانت هي الحاضن لأهم منظران شيوعيان (ماركس وإنجلز).

وتأملتُ في عيد العمال العالمي فإذا بنفس هذا الشعار (يا عمّال العالم اتحدوا) يتجسد أمامي مرة أخرى ضمن هذه الحشود العمالية التي تعكس مكانة الفكر اليساري وتأثيره.

وبعد استمرار الطبقة البرجوازية وسقوط الدول الاشتراكية، يكفي الماركسيين أن يفهمو حقيقة ذلك الصراع وأن يستمرو في نضالاتهم أمام النظام الرأسمالي وثقافته المتوحشة العابرة!

ولا يعيب «البيان الشيوعي» أنه لم يتحقق كاملًا بمشروعه السياسي على أرض الواقع ولكن يكفيه أن يكون هو الداعم والمحفز الأول لكل عامل يعمل فوق هذه الأرض فذلك شرف كبير!

وقبل أن ينتهي عيد العمال نظرت إلى العالم العربي فوجدته بائسًا وصامتًا ولا يوجد فيه أي حراك نضالي يسعى إلى الدفاع عن حقوق العمال فكأن الحكومة قد أصممت الجميع!

فلم نقرأ كلمة في صحيفة يدافع كاتبها عن العمال، ولم نرى وقفة احتجاجية في أي دولة عربية كنوع من الضغط على السياسة الظالمة للعمال لأن هذه الحكومات قامت بالهيمنة!

فلم يعد أي مواطن عربي داخل الدول العربية يقدر على المشاركة في مثل هذه الاحتجاجات لأن «حراك الربيع العربي» قد أصبح في ذهنه «مذبحة جماعية عربية» بفضل الثورات المضادة.

تلك هي الصورة النهائية التي تم زرعها في العقل العربي بعد ثورات الربيع العربي حتى أصبح المواطنون العرب يعتقدون بأن التنازل عن الحقوق خير من المطالبة بها وبهذا فقد مواطنو الدول العربية الشعور بالحرية أو الإرادة.

لذا يحتاج العالم العربي إلى مليون نسخة فأكثر من كتاب «البيان الشيوعي» لكي ينتهي الظلم الاجتماعي والاستبداد السلطوي ليحظى أفراد الشعوب العربية بشيء من الأمان والحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد