بمقدار حب السودانيون، لوطنهم، يحبون جيشهم، وبمقدار انتمائهم لذاك الثرى الغالي، يقدرون عاليًا تلك المؤسسة الوطنية الغالية على قلوبهم، يكاد لا يخلو بيتًا من بيوت السودانيين، إلا وكان لأحد أفراده شرف الانتساب والانضمام لصفوفها، فالقوات المسلحة، هي السودان وسياجه ودرعه المتين، هذا الجيش كان دائمًا محط أنظار العالم لنيله إعجابهم وتقديرهم، لأن شجاعته وتفانيه تعدت حدود الوطن، فكان وما زال قويًا يدافع آراضيه وكرامته، وكرامة كل إنسان على هذه البسيطة، ولعل التاريخ في هذا المقام أبلغ قولًا وأصدق أخبارًا، عن بطولات الجيش السوداني في الدفاع والذود عن الأمة العربية، لا سيما في فلسطين، ومصر، والعراق، والكويت وغيرها، حيث سطر أروع معارك البطولة في مقاومته للمحتل والمستعمر، وتوجت هذه البطولات في معارك الكرامة الخالدة، فلا أحد ينكر عليه قوته وشجاعته، بما يتمتع به من قدرة وكفاءة عالية حتى أصبح من أقوى الجيوش في المنطقة شجاعةً وعزةً.

لا يزال الجيش السوداني، وحتى كتابة هذه السطور، يقاتل باليمن، في حربٍ لا ناقة له فيها، ولاجمل، فكل السودانيين إن لم يكن أغلبهم، يمانعون فكرة إستمرار تواجد القوات السودانية بـ«تحالف إعادة الشرعية». أربع سنواتٍ، وستة أشهر، وبضع أيامٍ، منذ بداية الأعمال العسكرية للتحالف ضد الحوثيين، والتحالف لم يحقق شيئًا بعد، ويذكر على الأرض حتى الآن، مقارنة بما حققه الحوثيون، بل ازدادت الأوضاع سوءًا، وطرأت العديد من التغييرات في المنطقة، وبالتحالف نفسه، لذا قد آن الآوان ليعود الجيش السوداني أدراجه، والأسباب التي شارك من أجلها وقتها، قد إنتفت بزوال النظام البائد، ومسألة تحقيق نصر طال انتظاره على الحوثيين، بات من الصعوبة بمكان تحقيقه، إن لم أقل مستحيلًا.

والحديث عن الجيش السوداني أعلاه، يقودنا إلى الحديث عن إمكانية وقدرة حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، على إيجاد الدولة المدنية، بدون جيش وأمن قوي، فهو مجرد تغريد خارج السرب، وحديثًا لا يمت للواقع بصله، إن لم يكن من محض خيال قائله، إذ إن الدولة المدنية المنشودة، لابد من أن يعلو فيها صوت القانون، والنظام على الجميع، وتسودها العدالة والتنمية والاستثمار، ورفع المستوى الاقتصادي والتعليمي والثقافي والسياسي، وكل ذلك سيظل حبرًا على ورق حين تكون المؤسستان – العسكرية والأمنية – المنفذتان للقانون والنظام ضعيفتين وعاجزتين عن القيام بشيء.

من الضرورة بمكان، إعادة النظر في المؤسستين العسكرية والأمنية، وإصلاح كل الاختلالات التي حدثت بهما، لا سيما بعض مؤثرات الفساد المالي والإداري التي للأسف، استشرت بصورة كبيرة، وطالت حتى معايير الترقية، والدورات التأهيليلة، وحتى كيفية الاختيار للكلية الحربية.

توحيد قوة الجيش والشرطة على أسس سليمة، وهيكلتهما، خطوة لابد منها، لإعادة تصحيحهما وعلى وجه السرعة وإعادة توحيد قوات الجيش والشرطة وأبنائها على أسس وطنية بحتة بموجب الكفاءة والقدرة والمؤهلات الميدانية، وعند ذلك نستطيع أن نأمن بأن الدولة المدنية الحديثة ستقوم ليتساوى فيها الجميع أمام القانون.

لذا الجزء الهام من متطلبات بناء دولة المدنية السودانية، هو وجود جيش وطني قوى متماسك بعيد عن الحزبية والقبلية والمناطقية يكون ولاؤه لله وللوطن، وفي ذات الوقت تجريم وجود جيش آخر مواز لأحزاب أو مليشيات أو جماعات؛ لأن ذلك يتعارض مع أسس بناء الدولة المدنية الحديثة.

إننا بحاجة إلى وقت لتفكيك الولاءات الحزبية والمناطقية في مؤسسة الجيش ووحدات الأمن، فالتركة ثقيلة وغياب المشروع الوطني خلال حقبة النظام البائد، جعل مسألة إعادة النظر في بناء جيش وطني قوي يواجه صعوبات وتحديات التي ستواجه الدولة المدنية السودانية المنشودة.

وحسنًا فإن فعل المجلس السيادي، وهو يوفد وفودًا، لبحث جهود السلام مع الحركات المسلحة، وحسنًا، أن تجتمع بعضها مع الجبهة الثورية، التي تتواجد في جوبا، وحركات مسلحة أخرى، وعلى رأسها الحركة الشعبية، جناح عبد العزيز الحلو، لمناقشة قضايا السلام والمساعي الرامية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة في مناطق دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

الأمل المعقود على هذه الزيارات، هي أن يوافق الطرفان على بدية التفاوض، للوقف الشامل لإطلاق النار بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة، ومن ثم إعلان مبادئ الطريق لتهيئة الإجراءات اللازمة بفتح المعابر ووصول المساعدات الإنسانية للمناطق المتضررة من الحرب، وفيما يتعلق بأسرى الحرب، وإطلاق أسرى الحرب، وإلغاء أحكام الإعدام التي تواجه قادة الحركات المسلحة.

هذه الخطوات الفعلية هي أولى اللبنات لوقف الاقتتال والحرب الدامية التي استمرت خلال السنوات الأخيرة بالسودان، بجنوبه أو شماله، فلا يمكن أن تبنى دولة يسودها النظام والقانون والأمن والاستقرار، وتغيب فيها الصراعات والحروب والدمار بين طرفين أو جماعات أو حركات مسحلة، دون أن يكون هناك قوة عسكرية وأمنية قوية تضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه العبث بأمن الوطن أو بحاضر أو مستقبل أبنائه، سواء كان ذلك فردًا أو جماعة.

إن القضاء على تلك الصعوبات يتطلب تضافر الجهود والتخلص من المشاريع الضيقة للأحزاب والجماعات المسلحة والبدء في تنفيذ خطوات تدريجية حتى وإن كانت تبدو بطيئة وتستغرق وقت أطول، وذلك نحو بناء جيش وطني قوي ومتماسك وبعيد عن الولاءات الضيقة.

لقد تحولت خلال الثلاثين عامًا، الأخيرة، ظاهرة الفساد الأخلاقي والمهني، إلى ثقافة لا مناص منها، تعاني منها معظم مؤسسات الدولة ليس مؤسستا الجيش والأمن وحدهما، وهو الأمر الذي أعاق كثيرًا تطور هذه المؤسسات بالشكل الذي يتلاءم مع الإمكانات المرصودة لها في ميزانية الدولة والآمال المعقودة عليها من أفراد الشعب.

أخيرًا نقول.. أن المدينه أتت بدماء الشرفاء الطاهره، وغدًا سوف نزدهر، كدولة مدينة ديمقراطية، حرة نزيهة، لترسمح ملامح وطن شامخ، والثورة السودانية باتت تضاهي ثوره مارتن لوثر كينج، ونقول مثلما كان يقول: «ما يزال لدينا خيار اليوم: إما التعايش السلمي، أو إفناء بعضنا، بعضًا بشكل عنيف، علينا أن نغير ترددنا في الماضي إلى فعل، ستواصل زوابع الثورة زعزعة أسس أمتنا إلى أن تبزغ شمس يوم العدالة، نريد الحصول على كل حقوقنا، نريدها هنا، ونريدها في التوّ واللحظة، حان الوقت كي نجعل العدالة حقيقة لجميع الناس».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد