كثيرًا ما راودتني الرغبة في الكتابة عن الثقافية وماهيتها، وعن المثقف وماهيته، وعن الدور المخول للمثقف لكي يكون مثقفًا، لكنني لاحظت انتشار ظاهرة غريبة، تتمثل في الثقافة المرتزقة، الثقافة مدفوعة الأجر. لذلك قررت اغتنام هذه الفرصة للحديث عن هذا النوع من الثقافة، لكي يتسنى لنا أن نستدل على مفهوم الثقافة الحقيقية انطلاقًا من هذا التضاد والتصادم.

الثقافة بالنسبة لي ليست قراءة عدد لا نهائي من الروايات قصد الهروب من الواقع البائس، فمن المعروف أن الطابع الروائي القصصي يجعل منك تعيش وقائع القصة، كما لو أنك أحد الشخصيات، بل العكس تمامًا؛ لأن الثقافة الحقيقية تتمثل وتتبلور في قراءة ما يجعلك رافضًا للواقع، مستعدًا لتغييره، ضاربًا عرض الحائط كل العوائق والصعوبات التي من الممكن أن تصادفك، متجردًا من كل السلطات السياسية، أو التاريخية، أو الاقتصادية، والتي من الممكن أن تؤثر على تفكيرك وأيديولوجيتك، فتجعلك منحازًا لأحدهم دون الآخر، تسلك منهجًا يبعدك عن الحقيقة بنفس القدر الذي يحيدك به عن تغيير واقعك المؤلم.

في القديم ابتلانا الله بقوم يتصدرون باسم الدين، ويحتمون بغطائه، خدمة لأهداف سياسية أو اقتصادية، فكثيرًا ما كان يخرج علينا هؤلاء الحمقى بجملة من الأحاديث التي لا يفهمونها، ثم ويقومون بتحويرها وتغييرها لا لشيء سوى لخدمة مصالحهم، دون الالتفات إلى قداسة الدين عند البشر.

بينما اليوم وبعد انكشاف هذه المسرحية الهزلية، أوجد ما يسمى بالثقافة المرتزقة، أو المثقف المرتزق، نوعية من المثقفين المزيفيين الذين يستغلون تلك المعلومات المحدودة التي يمتلكونها، ثم يضيفون عليها ذلك الطابع الاقناعي الذي يمتازون به، ويستغلونها أخيرًا في خدمة السياسة. وهذا ما يتصادم كليًا مع التعريف الحقيقي للثقافة والمثقف.

المثقف الحقيقي، هو ذلك الشخص، الذي لا يقبل الوضع كما هو، بل يسعى دائمًا لتغييره إلى الأفضل، وأنا أجزم ـ بدون علم ـ أن العلامة والمفكر الجزائري لم يقرأ في حياته رواية بقدر ما كان يقرأ للمصلحين من أقرانه أو سابقيه، أمثال الشيخ جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، والشيخ محمد رضا عليهم رحمة الله.

بالنسبة لي العلامة الجزائري مالك بن نبي يمثل تجسيدًا حقيقيًا لكلمة المثقف، فلقد كان في بادئ الأمر يعتبر الثقافة كهواية، وليست كمهنة، فهو كما يعلم العام والخاص كان مهندسًا كهربائيًا، فلم يهتم لتخصصه، واتجه إلى دراسة الحضارة حتى أصبح اليوم معروفًا بفيلسوف الحضارة. وما نستخلصه من هذا، هي أن الثقافة هواية، يمارسها أحدنا خارج ساعات عمله، بعيدة كل البعد عن تخصصه الأكاديمي، وعن مصدر رزقه.

ثانيًا، يظهر الجانب الثقافي في شخصية مالك بن نبي في الدور الإصلاحي الذي كان يوصي به خدمة لوطنه ولدينه، فلقد حز في نفسه أن تبلغ الحضارة الاسلامية هذا المستوى المتواضع، بعدما كانت تتسيد العالم لعدة قرون من الزمن.

ثالثًا، عزلة المثقف، لن تجد في تاريخ المثقفين، من كان على ناصية الدولة، ومحبوبا من طرف الدولة وعلى هذا السياق يقول فولتار: إنه لمن الخطير أن تكون على حق عندما تكون الحكومة على خطأ.

فالميزة الوحيدة التي تجمع المثقفين في هذا العالم هي عزلتهم، ترهيبهم وتخوينهم والتشكيك في وطنيتهم، لكي لا يصبح صوتهم مسموعًا بين أوساط المجتمع. وهو ما حدث مع مالك بن نبي عليه رحمة الله، لدرجة أن قناة الشروق الجزائرية، أنتجت فيلمًا وثائقيًا من ثلاثة أجزاء، تسرد فيه حياة هذا العلامة تحت عنوان قاس يدمي القلوب: مالك بن نبي، المظلوم بين أهله

أما المثقفون الزنادقة، إنما مجرد دمى تستعملهم الدولة لأغراضها السياسية، مقابل أجر زهيد من المال، فقد أصبحت الثقافة اليوم سلعة تباع وتشترى، بل يحرص بائعها على أن يقدم السلعة الجيدة للمشتريين، ويخفي ما فسد منها.

في عصرنا الحالي، فقد أصبح المثقفون ـ وعلى كثرتهم ـ أداة تستعملها الحكومات قصد تمرير أفكارها. وذلك بعد فشلهم في التصدر باسم الدين، وهذا عائد بطبيعة الحال إلى التناقض الأبدي الذي من المستحيل أن يسمح لنجاسة السياسية ودنسها أن تنسجم مع نقاء الدين وطهارته.

لن تكون مثقفًا حقيقيًا، ولن تبلغ ذلك، ما دامت أفكارك ملكًا لأحدهم، يستغلها في مصالحه الشخصية. لن تكون مثقفًا حقيقيًا وأنت تبلغ من السلطان ما لا يبلغه عامة العلماء في عصرنا، والذين بسبب ثقافتهم أصبحوا سكانًا للسجون، لا لشيء سوى أنهم قالوا «كلمة حق في وجه سلطان جائر».

والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد