مشكلة الفرد المسلم اليوم ليست في الموارد ولا البرامج، فنحن نملك منها الكثير ولكنها تكمن في تلك العزيمة التي أوغل فيها دود التواكل والكسل وفي تلك الإرادة التي أخلدت إلى الأرض، وتأتي مع ذلك كله الفوضى، نعم فوضى الأفكار أو فوضى الأولويات.

منذ وقت ليس بطويل، ألاحظ ذلك النفوق في تشتت الأفكار لدي، وذلك التركيز المتنامي في داخلي، حقيقة لم أوله اهتمامًا في البداية إذ أخذتني غمرة ما أنا فيه من عمل، لكن ومع التفاتة بسيطة من حولي رأيت أن بيئة عملي كانت خالية من كل الملهيات، فلا صديق يسائلني الخروج وتمضية الوقت، ولا التزامات نحو أي شيء سوى عملي طبعا، بل ولا حتى أهداف غير ما أنا فيه من إنجاز، وكانت النتائج مرضية إلى حد كبير.

استنتجت أن ما تفعله بنا قلة التركيز والتشتت الذهني والتردد النفسي عند الإقبال على أي عمل أشد وأصعب من غياب العزيمة على فعله من الأساس، فكثير من الناس يملك إرادة صلبة وعزيمة قوية ولكنه يستنزفها في التردد بين كثير من الأعمال أو يئدها بسبب مجموعة من الملهيات، ثم تجده يقول ليس لي عزيمة ولا نفس على أعمال مثل هذه. تعلمنا ونحن صغار في صفوف العلوم الطبيعية أن البيئة الملوثة هي المرتع المفضل والمولد الأول للأمراض، فكذلك بيئات عملنا إذا لم نولها من الاهتمام الكثير فكما تتحول البكتيريا إلى مرض خطير، كذلك يتحول تواكلنا ومبرراتنا إلى عادات سيئة نستعملها ذرائع مع كل فشل.

شيء آخر نغفل عنه عادة هو سهولة تعود النفس البشرية وتأقلمها مع مختلف البيئات التي يعيش بها الإنسان، فكلما كانت البيئة أكثر انضباطًا ومدعاة للعمل انعكس ذلك إيجابًا على عمل الفرد وإنجازه والعكس صحيح، وهنا يحضرني مثال لأحد الإخوة المغتربين عامل بإحدى الشركات الكندية فكان المتوسط الزمني هناك لإنجاز أي مشروع من مشاريع الشركة 4 أشهر، وكان هو من المتفوقين بحيث ينجز العمل في 3 أشهر عادة فاستحق ترقية لذلك وطلب تحويله إلى بلده الأم عاملًا في أحد فروع الشركة هناك وكانت المفاجأة إذ صار معدل إنجازه من 5 إلى 6 أشهر، وبعد الدراسة تم التوصل إلى أن البيئة المختلفة نسبيًا بين الفرع الكندي والفرع الجزائري صنعت الفارق في مدة الإنجاز.

الكثير من المؤسسات الرائدة عالميا باتت تولي جزيل الاهتمام لمثل هكذا مشاكل فلا تتوانى في محاربة أشكال الروتين والعمل الشكلي وتتخطاه إلى صناعة جو مثالي يساعد على إخراج كل ما هو جديد ومتنوع لدى عمالها وموظفيها، وتعتمد على الكثير من التقنيات المعاصرة في ذلك، كتقنية العصف الذهني التي تشكل المورد الأساسي للأفكار الجديدة والأطروحات المتنوعة والنوعية فالفكرة تقوم على طرح الأفكار في جلسات للموظفين والعاملين ويكون الطرح متنوعًا بدون مناقشة ولا شرح لينتهي به المطاف عند لجنة دراسة تتكفل باستخراج الجيد منها ومناسب لطريقة عمل الشركة طبعًا.

في الأخير إليك بعض النصائح التي يمكن أن تساعدك تخلص من كل ما قد يشتت انتباهك: ركز كل طاقتك على هدف واحد وبعد تحقيقه التفت إلى ما دونه من الأهداف، واحرص على بيئة عملك أن تكون بيئة مساعدة على العمل لا الكسل وعلى التركيز والجد، واحرص على أن تضع فيها ما يريحك ويساعدك نفسيتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد