تشاورنا في رسالتينا السابقتين للفن – رسالتنا الأولى للفن – عن علاقة الفن بالمجتمع ولنستعرضه سريعًا.. قلنا إنها علاقة مهمة تتجسد في أفضل أمثلة عن هذه العلاقة، والتي تتمثل في فيلم «رد قلبي» الذي يضع المجتمع بين الأثرياء العالين والفقراء المنحطين كما مثلت بذلك ولذلك السينما في ذلك الوقت، أو إن صح القول في مقتضاه في فترة الثمانينات، تلك الفترة التي مثلتها السينما بين هذين الفئتين الاثنتين فقط! وبذلك المثال – مع باقي الأمثلة في رسالتنا الأولى – جسدنا الدور الفعال القوي بين السينما والمجتمع، وهو نفس المثال – فيلم رد قلبي – الذي أمتد لرسالتنا الثانية عن علاقة الفن بالسياسة، إلى جانب تلك الأمثلة الأخرى في رسالتنا الثانية – الفن والسياسية – كفيلم «المصلحة» والمثال الأفضل فيلم «هي فوضى»، وفي رسالتنا الثالثة اليوم، نستكمل علاقة فننا سينمائيًا بالسياسة.

لا يزال الفن أو أقصد بذلك كما اتفقنا في آخر تشاورنا السينما فريسة في يد كبار المنتجين أو من لهم علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالفن والسينما على أهوائهم ومصالحهم الشخصية – الذين يسطون على عرش الإنتاج السينمائي –  في إيقاع مؤلفي وممثلي تلك الأفلام في أيديهم بالمال لا بالإقناع للتعبير عن وجهة نظرهم المختلفة في الحياة السياسية المتخلفة.

ولهذا العنصر أمثلة كثيرة نستعرضها سريعًا في فيلم «بخيت وعديلة» الذي جسد شخصية الأول زعيمنا فنيًا وسينمائيًا عادل إمام عن سطو مرشحي البرلمان (العتاقة) منهم أو بلغتنا (القدامى) في المهنة منهم، ومدى تأثير نفوذهم على كسب رضا الناس عنهم، أو جمعهم بالكلمة الخادعة أو بلغة الشباب اليوم بالتثبيت، أو بالمال، أو بالوعود الكاذبة، إلا من صدق القول، وكان من الصادقين.. مع تجسيد الشخصية الأكثر فاعلية دائمًا في السطو على البرلمان والبقاء على كرسيه طيلة حياته والذي مثل بذلك وذلك فنانا العجوز حسن حسني حتى أن بخيت – رمز الجردل! – الممثل الجديد للشعب ولأهل حيه ومنطقته بعد نفورهم واستفزازهم من تكرار الوجوه الكاذبة التي تدعي أنها تمثلهم، ولكنها في الأصل تريد مصلحتها الشخصية فقط!

تعجب – في آخر مشهد في الفيلم – من شخصية حسن حسني التي بقيت بالرغم من تغير كل النواب وممثلي الشعب! وبذلك استخدمت السينما كأداة لتجسيد الحالة السياسية الساخطة بالفعل في تلك الفترة – فترة التسعينات – من كل نواحيها – أقصد نواحي السياسية، وقبل أن نؤدي بكم إلى مثال آخر، أحدثكم عن لقطة تعبيرية داخل أحد أهم المشاهد في منتصف الفيلم، أقصد بذلك تلك التي كانت بين بطلنا بخيت – عادل إمام – وفنانا رياض الخولي – ممثل رجال الدين والأحزاب الدينية في الفيلم – والتي يظهر فيها عادل إمام مع أخيرنا – رياض الخولي – وهو يجمع كتب القانون في كرتونة صغيرة ليغادر بها مع باقي متلازماته المكان، ونرى أنه قد كتب على أحد جوانب الكرتونة (قابل للكسر)، والتي تفيد مدى سخرية السينما – كتمثيل – من قانوننا في تلك الفترة الصاخبة الهاوية، وأيضًا نشاهد في قمة تداخل أحداث الفيلم وعلوه مشهدًا بين السابقين عادل إمام ورياض الخولي وهما في ساحة الملعب، وعلى قرب منهما كرة، والتي تمثل – من وجهة نظري –  مصر، وعلى يمينها رياض الخولي – ممثل الأحزاب الدينية المتشددة التي تتبع مصلحتها دون مصلحة الشعب – وعلى يسارها عادل إمام – ممثل الشعب الفعلي الذي كانت نيته حقيقية بالفعل تجاه الناس البسطاء أو الغلابة – وتتباعد الكاميرا عنهم – كفن إبداعي من المخرج – تدريجيًا، وكأن مصر كرة يكتسبها وشعبها من يشاء، أو بلغة أشمل (لعبة في أياديهم) إن صح ما سبق من التعبير! وبذلك كانت السينما – كما قلنا – أداة تجسيد وتصوير مكتملة عن السياسية ورجالها في ذلك الوقت.

نمر بالزمن ويمر بنا! لنصل إلى فترنا الحالية، فنرى بعضا آخر من الأفلام تجسد بشدة ووضوح تام هذه العلاقة الوطيدة بينهما في فيلم «ظاظا» وبطله ظاظا – هاني رمزي – هذا الشاب البسيط الذي يحلم أن يكون رئيسًا للجمهورية، وأن يجلس مكان الرئيس المحنك المخضرم – كمال الشناوي – الذي مزال على كرسيه منذ سنوات جاوزت الخمس وعشرين سنة! وكلنا نعلم من كان يمثل! فلا داعي للتأويل؛ فهو بالبداهة معروف! ثم يحدث بينهما الصراع.. وأخيرًا يصل ظاظا للكرسي، فيظهر بدور العابث الذي يلهو بالسلطة! بينما يأبى كمال الشناوي” التخلي عن كرسيه الذي احتضنه طيلة ما يزيد عن خمس أو ست أو سبع وعشرين سنة، فيدل على مدى تمسك السلطة الحاكمة بمكانها على مصلحة الشعب.

وبذلك كانت العلاقة بين الفن والسينما علاقة مهمة؛ إذ إن السينما بأرشيفها لا تخلو من مثل هذا الأفلام السينمائية السياسية! وحتى إنها لا تخلو من ذلك في صناعتها! بنفوذ وسطو المنتجين على أهوائهم! ولا أقصد بذلك توبيخًا! ولكن لغرض إيضاح تلك العلاقة القوية بينهما.. ونلتقي في رسالتنا الرابعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد