الخطاب الشامل

أعلم أن العديد من المسؤولين يفوتهم تقدير المسافة والحجم الحقيقيين لمناصبهم، بعض المسؤولين لا يعلم حقيقةً أنه حينما يكون نيابةً عن بعض البشر، بالرغم من أنه يدعي دائمًا أنه يتحدث بالنيابة عن هؤلاء البشر، هؤلاء بالتحديد هم نواب البرلمانات العربية، الكويتية منها والمصرية، لكنني حينما أقصد أن بعض المسؤولين يفوتهم تقدير المسافة والحجم الحقيقيين لمنصبهم لا يقتصر على نواب البرلمان، بل في بعض الأحيان قد يكون مقصدي مدى تقدير القنصل إلى مدى كون تلك البناية التي تقع في دولة أخرى جزءًا من أملاك بلده أو جزءًا من بلده، هل يشمل كون القنصلية جزءًا من بلدٍ ما أن يشملها ما يجري في باقي البلاد؟ لكنني لا أقصد القناصل ونواب البرلمان فقط، إن الأمر يشمل أيضًا من جراءته الحُكام، إن الحاكم عليه تقدير المسافة والحجم الحقيقيين لكونه رئيسًا أو ملكًا أو إله في بعض الأنظمة، إنه حينما يعتقد أنه منتخب لا يعني أن يصدق الكذبة ويكلف نفسه ما ليس وسعها من مؤتمرات الشباب، أو حينما يكون ملكًا لا يعني ذلك أنه ملك الأرض التي يملكها بما فيها من شجر ونخل وبشر وغنم، أو أن الآلهة التي حكمت سلفًا، يظلون آلهة وبنوهم كما ترى بعض دولنا.

هي ليست رسالة مني ليست إلى فردٍ واحد، إنما هي رسائلنا وإلى أفراد كُثر يصعب جمعهم تحت طائلة كلمة غير كلمة «المسؤولين»، وهي رسائل من الذين -افتراضًا- عليهم أن يسألوا السؤال، أو يُسأل عنهم السؤال، لذاك كما أسمى بابلو نيرودا ديوانه «النشيد الشامل» ليتحدث عن نضال اللاتينية ويهاجم الولايات المتحدة في أحد مقاطعه، أسميت هذا المقال «الخطاب الشامل»، إذ يتحدث نيابةً عن بديهي ما قد يقول جميع هؤلاء الذين سيُسأل عنهم المسؤولون.

عزيزي الحاكم ملكًا كُنت أم إلهًا أم رئيسًا، يُعرف الحاكم في جميع تلك الأسماء أنه الخادم العام لمجموع البشر الذين يقدرون خدمته الجليلة في كونه تبرع -أو فُرض علينا كتبرع- ليشكل الوفاق -أعتذر إلى الشعوب العربية سلفًا- بين المجموعات المختلفة من الشعب، ولذلك يُعتبر الحاكم هو صورة السلطة المطلقة لكونه يُمثل جميع هؤلاء وتُشكل هيبة الحاكم من إيمان هؤلاء الناس به، ولكي يقوم الملك بصناعة هذا الوفاق بين مجموعات الشعب المختلفة عليه أن يلجأ إلى بعض الأدوات.

أولى تلك الأدوات يا عزيزي الحاكم هي الحكومة، عليك أن تتيقن أن تلك الحكومة لم تخلق حقيقة لكي تعكس ميولك الفكرية وماضيك الوظيفي قبل أن تصل إلى العرش، حينما تحدثنا عن الوفاق -أعتذر سلفًا إلى لبنان- كان المقصد أن يكون هناك تمثيل للشعب، وحينما يكون التمثيل عن الشعب يعني ذلك ألا تكون جميع اختياراتك لرئيس الوزراء تتوقف على لواءات وجنرالات الجيش، ولا يتوقف اختيارك دائمًا على تيارات سياسية علمانية معينة أو غيرها، لذلك قامت بعض الشعوب بإراحة ذهنها بأن تجعل أمر رئاسة الوزراء والتشكيل الوزاري من اختصاص البرلمان، والبرلمان يا سيدي الحاكم المبتدئ هو الأداء الغريبة في سلسلة أدواتك.

مجلس النواب مع اختلاف أسمائه في الوطن العربي من بلد إلى آخر، إلا أنه يُستخدم على غير طريقته الصحيحة، من المفترض أن هذه السلطة تُساند الشعب والرئيس وتتوسط العلاقة بينهما مثل أهل الزوج والزوجة فيما بين الزوج والزوجة من مشاكل أيامهم الطويلة -بما أن الأنظمة السياسية العربية أشبه للزواج الكاثوليكي منها إلى الأنظمة الديموقراطية- حفاظًا على استمرارية زيجة الحاكم بشعبه، بعض البرلمانات تقوم بتلك المهمة في إطار زيجتين، مثل البرلمان المصري، وبعض البرلمانات تقوم بذلك بين الأب والابن مثل البرلمان السوري، الذي لم يكن لديه مشكلة أصولية مع اسم الوريث سواء كان بشارًا أو باسلًا، المهم أن الزيجة مستمرة، وأن الزواج هو الرباط المقدس.

لذلك رُبما يكون الشرح غريبًا حول كون نائب البرلمان هو شخص ينوب عن مجموعة من الشعب يتم ذلك التمثيل بناءً على تعداد السكان والتوزيع الجغرافي لهم في الأماكن المعمورة، لذلك قد تجد أماكن على الخريطة ليس لها نائب معين لقلة سكانها واتساع أو ضيق مساحتها، وتكون مهمة ذلك الشخص هو مراقبة الحكومة واعتماد القوانين ومراقبة المحليات وأجهزة الدولة التي دون دواوين الوزارة والمجتمع لحل قضاياه إن أمكن، ولذلك يبدو هذا التعريف غريبًا .

عودة إلى الحكومة يا عزيزي الحاكم الهُمام، يقع من بين هؤلاء الوزراء وزير يشبه قدره قدرك تمامًا، يُسمى وزير الخارجية، بعض الدول البلهاء تعتقد أن هذا الوزير هو نائب الرئيس الثاني ووزير الدفاع هو نائب الرئيس الثالث، المهم أن هذا الرجل لديه أدوات مشابهة، إذ يكون له في كل دولة سفير كما يكون رئيس الوزراء لك، ويكون لكل سفير من هؤلاء قنصل أو اثنان أو ثلاثة يكونون مثل الوزراء إلى رئيس وزراء حضرتكم، ويكون لدى كل قنصل منهم ملحق من كل جهة من جهات الدولة الرئيسية، ملحق وزارة الداخلي، ملحق وزارة الدفاع، ملحق ثقافي، بعثة طبية، يختص جميع هؤلاء بأن يكونوا مُقدمي خدمة حكومة بلادهم إلى مواطني بلادهم في البلاد الأخرى، وعلى جميع الحُكام العرب أن يدركوا حقيقة طريفة ها هنا، أنه حينما ذكرت خدمات حكومة بلادهم لم أشمل في تلك الخدمات القتل والإخفاء القسري والاعتقال والتشويه الجسدي والنفسي للمواطن، لذلك قد لا نجد منشار عظام بشرية في قنصلية أو سفارة.

ها هنا قد شرحنا بديهيات الحكم تقريبًا، وها هنا قد أستطيع تقديم الحل ببساطة شديدة، لن يحدث شيء عزيزي الحاكم إن حكمت شعبك بطريقة صحيحة، لن يكون هناك مثلًا جمال خاشقجي آخر إن توقفت عن اعتقال المعارضين، لم يكن في البلاد من لديه الغرور الكافي سواك لكي يحكم، حتى أنا حينما كُنت أتهكم فيما بين السطور أو كل السطور لم يكن لي طموح غير مرور هذا الفصل الدراسي بسلام، فقط اترك بعض المعارضين لأن إدارتك كثيرًا ما تكون ساذجة وسطحية، بعض المعارضين في البرلمانات الوهمية التي تصنعها بإتقان مبالغ فيه حد الوضوح أنها مزيفة، فقط حينما تقتل مواطنًا اقتله لأنه قتل مواطنًا آخر ، ليس لأنه لم يحب ما يجري في بلاده.

أعزائي البرلمانيين، سواء مرتضى منصور، أو صفاء الهاشمي، إن تمثيلكم لشعب مصر أو شعب الكويت لا يصور إلا شعبين، أولهما شعب جاهل يحتفي بترويج الشائعات، والآخر شعب همجي لا تُعلم له أخلاق ولا قيم، بالرغم من أن الشعب المصري لم يكن من طبائعه احتقار شعب عربي ما أو رد الباب إلى شعب آخر، ولا عُرف قبلًا من شيم العرب جميعًا أنهم قوم همج إلا فيما كتبه الغرب عنا، لذلك حقيقةً سؤالي بسيط وسلس، بأي من شعوبكم استندتم بصفتكم نوابًا أن تتحدثوا كما تحدثتم؟ أم هي سفاهة النفس وحقارة العقل البشري؟! إن مواطنة مصرية تم الاعتداء عليها في بلد عربي هو أمر يُلام عليه البلد العربي بأكمله، وإنْ هو يُلام على شيء فيُلام في عروبته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد