روى الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج رسول الله غداة وعليه مرط مرحل فجاء الحسن فأدخله ثم جاء الحسين فأدخله ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا.

وقد جاء اتفاق لأهل العلم من الطائفتين أن هؤلاء هم أهل بيت المصطفى عليه الصلاة والسلام وخاصته ومنهم خرجت وتخرج ذريته إلى يوم القيامة.

وقد ظل النبي الكريم يوصي خيرا بأهل بيته حتى لقي ربه، فقد قال كما عند الإمام مسلم من حديث زيد بن أرقم قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ) فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: (وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي)».

كما أن الإمام عليًا رضي الله عنه وكرم وجهه حفظ وصية رسول الله في ولديه «حسن وحسين» فقد كان يحميهما في الحرب ويقدم دونهما إخوتهما من أبيهما كمحمد بن الحنفية، فلما سئل في ذلك قال: «أخاف أن ينقطع بهما نسل رسول الله»؛ وقد سئل محمد بن الحنفية لماذا يقدمك أبوك دون أخويك فكان فيقول: «هما عيناه وأنا يده، فهو يدفع بيده عن عينيه».

وحتى الصحابة الكرام البررة حفظوا عن رسول الله وصيته في أهل بيته، فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث بحديث رسول الله عند الكعبة، وقد انقضت صفين واستشهد الإمام علي وبعده الحسن، إذ مرّ بهم الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنها فقال عَمْرٌ لجلسائه «والله إني أشهد أن هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء».

فهؤلاء أهل بيت رسول الله وهكذا حفظت مكانتهم عند الرعيل الأول.

لكن بعد استشهاد الإمام علي آخر الخلفاء الراشدين، حكم بنو أمية فاستأثروا بالحكم وأظهروا في الأرض الفساد ومن بعدهم بنو العباس الذين قالوا لنا الدولة خالصة من دون الناس فضاعت وصية الرسول الكريم بين الهوى والسلطان.

ولما كان أهل البيت طلاب الحق والعدل والأمناء على الأمة فما لبثوا أن وقفوا في وجه الظلم وخرجوا على السلطان الجائر فنالهم ما نالهم من حبس وقتل وطرد من البلاد باسم الله وباسم إمارة المؤمنين، فقد قتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي وأهله في كربلاء، وقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين وصلب جثمانه الشريف وأحرقه! كما تفنن بنو العباس في استئصال أهل البيت وإبادتهم حتى قالها المنصور العباسي مدوية «لقد قتلت ألفين من أبناء علي وفاطمة»! وقد أكمل ابنه محمد المهدي المهمة بعده ومن بعده هارون الرشيد.

ولمن شاء أن يطلع على التفاصيل والأخبار مما أغفلنا ذكره فعليه مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصبهاني ووفايات الأعيان لابن خلكان وفيهما من الأخبار ما يبكي القلوب دمًا.

إن المُطّلِع على أخبار أهل بيت رسول الله منذ نشأتهم وحتى تكالب الدول والأعداء عليهم لا يكاد يسعفه عقل لاستيعاب ذلك ويكاد يجزم أنها حرب صريحة بين أهل الخير وأهل الشر أو هي معركة المصير بين الحق والباطل.

من هنا أفسدت الدماء القلوب والعقائد وخرج قوم يدعون الحب والنصرة لأهل البيت وهم يسبون صحابة رسول الله الكمل الذين استخلصهم الله ورسوله كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويقذفون أم المؤمنين عائشة بالبهتان المبين وقد برّأها الله من فوق سبع سماوات في كتابه العزيز.

وهؤلاء وإن ادّعَوا التشيع لأهل البيت فما هم في ذلك بشيء والدليل من أهل البيت أنفسهم، فقد بايع الإمام علي أبا بكر وعمر بالخلافة وقال هما أهل لها، وبايع حسن وحسين عثمان بن عفان وكانا ممن دافع عنه في محنته في داره حتى استشهد رضي الله عنه وأرضاه.

كما أن زيد بن علي بن الحسين رفض سبّ أبي بكر وعمر والتبرؤ منهما فرفضه الروافض وخذلوه.

كما سبق وأشرنا أن أحد رواة حديث الكساء هي السيدة عائشة رضي الله عنها.

كل هذا إن دل فإنما يدل على تآلف قلوب العارفين من الصحابة والتابعين مع قلوب أهل البيت وإن اختلفت الرؤى بينهم حتى أن من أصدق الشيعة كِبارُ الصحابة كأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي.

وبالمقابل نجد ممن ينتسب إلى سنة المصطفى ويدعي الولاء والاتباع له، نجده ينصب العداء لأهل بيته ويغمزهم ويحُطُّ من مكانتهم متجاهلًا، عن علم أو جهل، وصية الرسول المعصوم في أهل بيته.

وهؤلاء نرد عليهم بأعلام العلماء العاملين من أهل السنة والجماعة والذين كانوا يناصرون أهل البيت ويرون لهم الأحقية والسبق في إمامة المؤمنين.

وأبرز هؤلاء الأقطاب الإمام الحجة صاحب الرأي أبو حنيفة النعمان والذي ما انفك يناصر أهل بيت رسول الله بماله ورأيه على بني أمية وبني العباس، فقد دعم زيد بن علي بن الحسين في خروجه على بني أمية ودعم محمد وأخاه إبراهيم في خروجهم على بني العباس وبقي على العهد والوعد بعدهم حتى مات محبوسا في سجن المنصور العباسي.

من هذا تبدو جليا مكانة أهل البيت عند الصادقين من المُسْتنّين بسنة المصطفى من أهل السنة والجماعة وتوقيرهم لهم وإجلالهم لعلمهم ونسبهم حتى قال الإمام مالك بن أنس، إمام مدينة رسول الله وصاحب المذهب، «لقد صاحبت جعفر بن محمد (وهو الإمام جعفر الصادق من أهل البيت) زمانا فما وجدته إلا على ثلاث حالات إما مصليا وإما صامتا وإما قارئًا للقرآن».

وتكفي هذه الشهادة في إمام تعرف الشيعة قدره من إمام اجتمعت السنة وعرفت قدره.

وختاما نستأنس بأبيات من الشعر نظمها الإمام الشافعي صاحب المذهب الشافعي مادحًا بها أهل بيت رسول الله ومؤكدًا على علو مكانتهم وخصوصيتهم عن الله وعند رسول الله:

يا آل بيت رسول الله حبكم … فرض من الله في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الذكر إنكم … من لم يصل عليكم لا صلاة له

وقال رحمه الله في أبيات أخرى:

قالوا ترفّضت قلت كلا … ما الرفض ديني ولا اعتقادي
لكن توليت دون شك … خير إمام وخير هادي
إن كان حب الوصي رفضًا … فإنني أرفض العباد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد