إن السلطة العسكرية تفرض على الشعب نظامًا سياسيًا معينًا, وتصادر حق الشعب في العمل السياسي والاختيار, بل تحاصره في حياتهم؛ لفصلهم عن كل ما يتعلق بالسياسة والحكم, فتجد الرقابة العسكرية تتنصت على كل حركة من حركات الشعب, كلامهم، وفنونهم، وأشعارهم، وكتبهم، وحتى الجدران, وكل ما يمكن للمواطن من خلاله التعبير عن رأيه. كذلك السلطة الدينية, ولكن ليس فقط فيما يتعلق بشؤون السياسة والحكم, وإنما في كل مناحي الحياة, يتحول الكهنوت الديني إلى وصي على الناس, وإرادته بسلطة الحرام والحلال, وما يتعلق بها من خوف الناس ورغبتهم.

منذ القدم والسلطة الكهنوتية موجودة جنب إلى جنب مع السلطة الحاكمة, وفيها من التزاوج، وتشابك المصالح ما يجعلهم في أغلب الأحيان لا يقدرون على الاستغناء عن بعضهم البعض.

في العصر الفرعوني مثل الكاهن أو رجل الدين سلطة كبيرة على الشعب, بل كان أحد أهم عمد شرعية الفرعون, كذلك في العصر الروماني, ثم من بعد ذلك فتح مصر ودخول الإسلام مصر, وفي كل تلك الفترات كان رجل الدين السلطة الأهم في الدولة, ثم جاء بعد ذلك كمال أتاتورك, ليعلن علمانية دولته, وتفكك الخلافة العثمانية, وتحول دولها إلى ممالك، وأنهى التزاوج بين السلطة العسكرية، التي كانت تمثل نظام الحكم في الأغلب الأعم والسلطة الدينية, وفرضت السلطات العسكرية في معظم تلك الدول كامل سيطرتها في تتابع شبه متطابق لما قام به كمال أتاتورك في تركيا, واكتشفت الشعوب أن لها أمرًا في حكم نفسها, لكن السلطة العسكرية استخدمت شعارات الديمقراطية بشكل ناجح ضد السلطة الدينية مع خداع الشعب بتلك الشعارات، فقد وجدنا أعتى الديكتاتورات يتباهون بالديمقراطية، وينحلون أنفسسهم صفاتها في كل كلامهم، لا أفعالهم, هنا بدأ الصراع بين الأطراف الثلاثة السلطة العسكرية والسلطة الدينية والشعب المقتنع بحقه في حكم نفسه بنفسه.

هنا تحولت السلطة الدينية إلى جماعات دينية تطالب بحقها في الحكم, بعضها تداخلت مع الواقع الجديد، وتلونت بلونه، ونادت بشعارات الديمقراطية، والحرية، وحق الشعب في حكم نفسه, بأن يختارها بمحض إرادته وصيًا عليه, واتخذت طرق الإقناع والترغيب والترهيب، وقدرتها على جذب العاطفة وإمالة القلوب, وبعضها تحولت إلى جماعات مسلحة لمواجهة العسكريين بنفس طريقتهم لاستعادة سلطتهم، دون أن يأبهوا بالشعب أو الديمقراطية.

«ليست لدي أية مشكلة في وجود أيديولوجيات دينية وأحزاب دينية تمارس العمل السياسي والحزبي, ولا مشكلة في الجماعات الدينية التي تمارس عقائد دينية أو حتى عمل وعظي أو مجتمعي, سواء مسلمة, مسيحية, يهودية أو حتى بوذية, كل المشكلة لدي هي مصادرة حق الناس في تقرير مصائرهم بسلطة الخوف أو التغييب».

يشترك العسكريون والكهنوتيون في استمالة الشعب (الناس) بعدة طرق, منها الخوف, حب الوطن/الدين, التغييب, كره الآخر، ولا مانع من بعض الخلط بين المفاهيم, تستخدم السلطة العسكرية الخوف كأهم طرق للحفاظ على السلطة, وبما أن القوة بأيديهم فليس هناك صعوبة في تحقيق هذا الهدف, وليس هناك أكثر من السجون, المعتقلات, التعذيب, الرصاص المطاطي، وقنابل الدخان، (هذه الأدوات تتوافر لكل من يحكم فما بالك لو السلطة الحاكمة دينية عسكرية!), كما يتوافر بنفس التكنيك للجماعات الدينية المسلحة نفس السلاح, ولكنهم أبعد كثيرًا، وليس لديهم قدرة للوصول للناس، إلا في إطار المكان الذي يأويهم, فهم يشتركون مع العسكريين والجماعات الدينية المعتدلة في استخدام سلاح الخوف فقط ضد الناس, أما استخدام هذه الطريقة من قبل الجماعات الدينية فهو أكثر تعقيدًا، وأجدر على الوصول للناس, فالجماعات الدينية موجودة بين الناس أقرب كثيرًا من العسكريين والجماعات الدينية المسلحة, كما أن الخوف الغيبي فطرة في الناس، فمن الطبيعي الخوف من عذاب الآخرة، فيكون من السهل توجيه الكثير من الناس, كما يستخدمون الحب في جلب تأييد الشعب/الناس حيث يجذب العسكريون اليمين القومي إليه بداعي حب الوطن، وباعتبارهم حماة الأوطان، وقاهري الأعداء, وتجذب الجماعات الدينية المتدينين بدافع حب الدين، والغيرة عليه، باعتبارهم أول محاربي أعداء الله, كذلك تغييب الشعب/الناس عن أية وجهات نظر أخرى  وتشويهها ورفض التعرض لها تمامًا, كذلك الخلط بين المفاهيم سلاحًا هامًا في أيدي العسكريين والكهنوتيين، فنجد ألا فرق بين مصطلحات «الدولة, النظام, الوطن, الجيش», كذلك عند الكهنوتيين «العقيدة, الفكر, العمل, الإيمان, الدين», كل تلك الطرق تستخدم لتحريف إرادة الناس, وتحريك الإرادة وفق العاطفة، كأداة لتنفيذ ما تريده السلطة, وأن الطبيعي هو تنفيذ ما يقنع الناس بالعقل, وعندها سيخسر العسكريون والكهنوتيون الكثير.

وتستمر المعركة بين السلطة العسكرية والدينية وإرادة الشعب, وتظل إرادة الشعوب هي الحل لحسم النزاع, ونزع أمره من العسكريين والاحتفاظ بها إلى الأبد، ورفض الوصاية الدينية والعسكرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد