ما فتئ الاقتصاد التركي ينمو بشكل يفوق كافة توقعات الأوساط الاقتصادية، وما زال يحافظ على مستواه حتى نهاية 2015. لكن منذ بداية السنة الجديدة بدأ الاقتصاد التركي يواجه مخاطر وعراقيل جمة من الداخل والخارج، تريد إضعاف استقراره وتقدمه نحو الأمام من خلال مجموعة من التفجيرات والتشويشات التي وقعت في البلاد خلال الآونة الماضية. حتى زاد الأمر عن حده بمحاولة انقلاب عسكري ليلة السبت 15 يوليو 2016 كانت ستؤدي إلى ما لا يحمد عقباه لكنها تكللت بالفشل.

سرعان ما لاحظنا تغيرا جليا على زوج الدولار الأمريكي مقابل الليرة التركية USD/TRY منذ الوهلة الأولى لعملية الانقلاب. حيث ارتفع الزوج من أدنى مستوى 2.8898 إلى أعلى سعر 3.0495 في غضون سويعات. إبان محاولة الانقلاب العسكري عرفت عملة الليرة التركية انخفاضًا قويًا و سريعًا يفوق 1590 نقطة خلال أربع ساعات بسب الأحداث التي كانت تقع داخل البلاد يومها. وهذا الأمر غالبا ما يكون عاديا في سوق صرف العملات الأجنبية، حيث إن قيمة العملة دائما تتأثر بالأنباء الاقتصادية والكوارث الطبيعية والسياسية. و بعد 4 ساعات من محاولة الانقلاب العسكري لاحظنا عودة عملة الليرة تدريجيا لمستواها السابق، وإن دل هذا فإنما يدل على فشل الانقلاب العسكري في تركيا.

لكن بداية هذا الأسبوع عرف الدولار الأمريكي انتعاشا ملحوظا مقابل ثلة من العملات الأخرى كالين الياباني والدولار الأسترالي. مما يشير على تأثيرات وخيمة على الاقتصاد العالمي، وخصوصا التركي في الأيام القليلة القادمة. وبالرغم من إحباط عملية الانقلاب واستقرار عملة الليرة التركية مؤقتا، كان للدولار الأمريكي كلمته العليا بالارتداد مرة جديدة من السعر 2.9247 إلى أن يصل لأعلى سعر له على الإطلاق عند المستوى 3.0620 صبيحة يوم 20 يوليو 2016.

توقعنا لزوج الدولار الأمريكي مقابل الليرة التركية في المدى القصير

من خلال الرسم البياني يلاحظ جليا قوة واندفاع الزوج للأعلى مما سيضعف عملة الليرة التركية في الأيام القادمة، ومنه توقعنا أن يصل ثمن الدولار الأمريكي مقابل الليرة التركية إلى أعلى أسعاره نحو 3.1500 – 3.2000 هذا الشهر. وهذه ستكون أضخم عملية بيع ستعرفها عملة الليرة التركية منذ الأزمة الاقتصادية 2007-2008.

وبالرغم من إحباط عملية الانقلاب وفشله فشلا ذريعا، إلا أن أثره ستؤثر على العديد من القطاعات فى الدولة، وأهم هذه القطاعات السياحة التي ستعرف الكثير من الخسائر مما لا شك فيه. أما بخصوص معدل النمو الاقتصادي التركي الذي يعتمد على المقومات المحلية أكثر من الخارجية نتوقع أنه سينخفض بنحو 2.50% إلى 4.50% في المدى القريب بسبب العلاقات الخارجية خصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، لكن لا نتوقع انهيار الليرة التركية. أيضا هناك توقع منطقي على أن الأسهم التركية ستنخفض بنسبة لا تقل عن 10%. وربما سيزيد من التشاحن السياسي داخل البلد.

في المقابل، التخطيط الحكومي المبني على الحكمة التركية يبدو قويا ومازال يحافظ على مستواه حتى اللحظة وأيضا هناك عدة عوامل تخص السوق المحلي مما يشير على أن تركيا ستسترجع كل الخسائر قبل نهاية 2016. وتعتمد تركيا خصوصا على القطاع الصناعي والسياحي، أضف إلى ذلك اعتمادها الأساسي على الناتج المحلي.

وتجدر الإشارة إلى أن الاقتصاد التركي لم يتأثر بأهم التطورات العالمية قبل الانقلاب العسكري كالانخفاض الحاد لأسعار النفط، وتصاعد التوتر السياسي مع روسيا، ورفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة الأمريكية، والانكماش الذي ضرب الاقتصاد الآسيوي، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. علاوة عن ذلك، لم تؤثر الأحداث الإقليمية المنبثقة عن الأزمة السورية والاتهامات الموجهة للحكومة التركية بخصوص انتشار المنظمات الإرهابية.

في أحيانا كثيرة التاريخ يعيد نفسه، عندما تكون هناك صراعات سياسية خارجية بين الدول تنتج عنها حروب وأزمات اقتصادية عالمية. وكما نعلم أنه منذ 4 أبريل 1952 ما زالت دولة تركيا عضوا في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، وفي حالة خروجها أو إقصائها منه سيكون مؤشرا واضحًا للبحث عن شريك آخر لها ذي قوة عسكرية مما سيؤدي إلى أزمات سياسية واقتصادية أعمق ستؤثر سلبًا على ما يسمى بالسلام العالمي.

والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الانقلاب
عرض التعليقات
تحميل المزيد