تناولنا في الجزء الثاني ما صار بين العسكر من خلافات في عصر السادات ومبارك، وكيف حسمت، وصولًا إلى ثورة يناير (كانون الثاني) التي أدخلت الجماهير للمرة الأولى بشكل قوي وحاسم في المعادلة السياسية؛ لترجيح طرف على حساب طرف داخل المؤسسة العسكرية، ولكن نظرًا لغياب القيادة المنظمة والواعية للجماهير، وترسخ أمراض الانقسام والتشتت، والأوهام الإصلاحية، والأوهام الجماهيرية حول حياد الدولة والمؤسسة العسكرية، كل هذا أدى إلى هزيمة الثورة، وصعود نجم مدير المخابرات الحربية السابق عبد الفتاح السيسي، وفي هذا الجزء سوف نتحدث عن كيفية تعامل السيسي مع الخلافات التي دارت رحاها في عصره، وكيف تعامل مع حالة السيولة النسبية التي خلفتها ثورة يناير داخل هذه المؤسسة.

خلاف السيسي وعنان

حاول رئيس الأركان سامي عنان الترشح أكثر من مرة ضد السيسي، مما دفع السيسي لاستصدار أكثر من قرار عسكري ضده، كان الأول عبر بيان صادر من المتحدث الرسمي للقوات المُسلحة بتاريخ 28 سبتمبر (أيلول) 2013، بوقف نشر مُذكرات عنان في الصحف المصرية، والثاني عندما صدر القرار بعدم جواز ترشح العسكريين دون موافقة المجلس العسكري في 2018، وذلك لمنع ترشح عنان وقنصوة ضد السيسي، ولكن إصرار عنان في المرة الثانية على الترشح وتهديده بأوراق خاصة بالمجلس العسكري، أدى إلى تصاعد حدة الخلاف بينهما، ودفع السيسي في النهاية إلى الإلقاء برئيس الأركان السابق في غياهب السجون العسكرية مع كامل فريقه الرئاسي.

خلاف السيسي وشفيق

في شريط فيديو مسجل خرج الفريق أحمد شفيق ليعلن أنه بدافع من خبرته الطويلة في القوات المسلحة، والنجاح الذي شهد به الجميع أثناء توليه وزارة الطيران المدني، يعلن ترشحه للرئاسة، وذلك مستندًا إلى خسارته السابقة بفارق طفيف عن مرسي في 2012.

وفي لقاء سابق عليه مع الإبراشي أعلن شفيق، بصفته قائدًا سابقًا في سلاح الجو المصري، عن رفضه التخلي عن تيران وصنافير، وانتقاده لمشاريع السيسي الاقتصادية الفاشلة في قناة السويس وغيرها، كما دعا شفيق إلى تطبيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في مصر، وأوضح أن الديمقراطية الحقة والحقوق الإنسانية الطبيعية ليست منحة من أحد، كما أنها لا تمنح أو تطبق تدريجيًّا إطلاقًا، في إشارة لتصريحات السيسي التي لا تعد الديمقراطية أولوية.

وعلى إثر ذلك أعلن مصدر إماراتي في 2 ديسمبر (كانون الأول) 2017 أن الفريق أحمد شفيق غادر الإمارات عائدًا إلى القاهرة، كاشفًا أن عائلته ما زالت موجودة في الدولة وتحظى برعايتها، في حين قالت محامية أحمد شفيق أنه قد ألقي القبض عليه ورُحِّل قسرًا إلى مصر، وأعلنت أسرته أنها لا تعلم مكانه، وأن الأمن المصري منعهم من لقائه، لكن شفيق أجرى بعدها مداخلة هاتفية مع برنامج العاشرة مساء، على فضائية دريم أكد أنه بخير ويتمتع بكامل حريته قائلًا: جئت من الإمارات في طائرة متميزة أقلعت بي خصيصًا، وحظيت بكرمهم المعتاد، وأسرتي ما زالت في الإمارات، واليوم ذهب إليهم زملاء من المسؤولين الإماراتيين وعرضوا عليهم كل المساعدات، كما أعلن في 7 يناير 2018 تراجعه عن خوض الانتخابات الرئاسية ودعمه للسيسي، وذلك بعد تهديدات ضخمة وفقًا للنيويورك تايمز وتصريحات محاميته.

خلاف السيسي مع المخابرات العامة

بعد أسابيع من تولي التهامي منصبه مديرًا للمخابرات العامة أقيل 10 من وكلاء الجهاز المسؤولين عن جميع القطاعات الجغرافية والنوعية داخله، ما بدا وكأنه عملية تطهير شاملة، لتبدأ حرب من التسريبات لمكالمات السيسي ورجاله، وبخاصة عباس كامل وكثير من الشخصيات العسكرية الأخرى، لم يُعرف تحديدًا الجهة المسؤولة عنها، لكن كانت أصابع الاتهام تُشير إلى الجهاز المتمرد كما يراه السيسي، فأطيح بالتهامي وعُيِّن اللواء خالد فوزي ابن الجهاز، الذي عمل فيه أكثر من 35 عامًا.

وخلال رئاسة فوزي، نجح الجهاز في كسب ثقة السيسي بعد استطاعته حل كثير من الأزمات، كان أهمها ملف المصالحة الفلسطينية الذي فشلت فيه المخابرات الحربية لسنوات، وكذلك مواصلة عملية تطهير الجهاز من الولاءات المعادية للسيسي، فأقيل أكثر من 200 من القيادات العُليا المشكوك في ولائهم، عبر قرارات نُشرت في الجريدة الرسمية وفق ما يُلزم قانون الجهاز، والبعض الآخر من القيادات والرُتب المتوسطة والدُنيا، بقرارات غير مُعلنة لا يُلزمهم القانون بنشرها، كما ندب واستبدل كثير برجال من جهاز المخابرات الحربية، إضافة إلى تصعيد ابن السيسي «محمود» داخل الجهاز، وتعيين عباس كامل مدير مكتب السيسي في النهاية مديرًا للمخابرات العامة، ليتحول الجهاز إلى تابع للرئاسة، ويتحول «محمود» إلى المدير الحقيقي للجهاز.

خلاف السيسي مع مبارك

بالطبع حرص السيسي منذ بداية حكمه على الحفاظ على صورة مبارك بصفته أحد جنرالات الجيش، وبالفعل لم يُدن في أي قضية لها علاقة بثورة يناير، وجزء من هذا بالطبع لعدم وضع سابقة محاكمة رئيس أو جنرال في قمع احتجاجات.

ولكن ما بدأ يظهر من تصريحات وتعليقات مبارك وأبنائه التي تنتقد بعض الإجراءات والسياسات والممارسات الحالية، مستغلين تهاوي شعبية السيسي، وهي تعليقات تعبر بالطبع عن رأي قطاع معتبر من طبقة رجال الأعمال القديمة، التي أضر ويضر بها تغول دور الجيش في الاقتصاد، وغياب أي ممثل سياسي لها داخل النخبة الحاكمة اليوم، وفشلها في كل محاولات زعزعة هذه النخبة الجديدة لإدخال مثل هذا الممثل، وبالتالي استصدر قضاء السيسي حكمًا نهائيًّا بإدانة الجنرال مبارك وابنيه في قضية القصور الرئاسية بالسرقة والفساد، وكل هذا بالطبع لإنهاء أي أمل لهم ولمن يمثلونهم في العودة للمجال العام مرة أخرى.

خلاصة

مما سبق، وهو محاولة لسرد بعض من كل الخلافات التي دارت رحاها داخل المجتمع العسكري المصري، منذ الخمسينات حتى اليوم، بات واضحًا لكل لبيب أن الخلاف داخل المجتمع العسكري وارد جدًّا، كما هو في المجتمع المدني، ولكن ما يبقى دائمًا في البال؛ نظرًا للتعتيم وغياب الشفافية، هو الخلافات داخل المجتمع المدني.

ولكن السؤال الذي يُتغاضى دائمًا عن طرحه هو ما الجذور الحقيقية لكل هذه الصراعات؟ وكيف تدار؟! وما نتائج إدارة الخلافات كما رأينا في النماذج السابقة سوى مزيد من الانغراس في مستنقع الفساد؟!

في تقديري أنه على عكس ما يروج له من انفصال المجتمع العسكري عن المدني، فالواقع أن العلاقات داخل المجتمع العسكري، منذ نشأته في عصر الألباني محمد علي 1822 وحتى اليوم، هي انعكاس شديد الكثافة لطبيعة العلاقات داخل المجتمع ككل، فرغبة محمد علي في عمل جيش مركزي قوي كان لحاجته لدعم سلطته شديدة المركزية، والطبيعة التراتبية القائمة على الولاء داخله هى انعكاس مكثف لطبيعة العلاقات داخل المجتمع، والملفت هنا هو أن مفهوم الوطنية المصرية كان (لاحقًا) على تأسيس الجيش لدرجة أن خيار تجنيد الفلاحين المصريين كان آخر خيارات محمد علي بعد فشل كل الخيارات الأخرى، والملاحظ أيضًا هو قيام انتفاضات قوية ضد التجنيد الإجباري، سواء في الصعيد أم المنوفية، ولكن محمد علي نجح في القضاء عليها تمامًا، وبعد ذلك وعلى مر التاريخ، كان الحراك والتغييرات الاجتماعية والسياسية دائمًا ما تلقي بظلالها على المؤسسة، كما كان هناك دور دائم للمؤسسة في حماية النظام المجتمعي بشكله القائم، كما شاهدنا في 1952 و1977 و1986 و2011 و2013، فدائمًا ما كانت المؤسسة العسكرية هي أداة الهيمنة والحسم لصالح العلاقات التراتبية والمركزية داخل المجتمع.

وهكذا فما يحدث داخل المجتمع من مؤامرات وفساد واستقطاب طبقي شديد، ينعكس في تركيبة العلاقات وطبيعتها داخل المؤسسة العسكرية ليصبح أحد قواعدها، كما أن التأثير يصبح عكسيًّا كذلك، وبالتالي وبشكل جدلي تتحول المؤسسة، التي هي القلب الصلب للدولة، إلى داعم رئيسي لهذه الدولة وفسادها واستبدادها وحامية لها، في دوامة جدلية صاعدة تقود من استبداد وفساد إلى استبداد وفساد أشد… وهكذا.

وهذا المنحنى الصاعد للاستبداد، وسيادة منطق القوة والغلبة، والتراتبية، وعدم تقبل الآخر، ينعكس بالطبع في كيفية إدارة الخلافات داخل المجتمع المدني، حتى إنه يصل إلى النخب الأكثر وعيًّا داخل المجتمع، وأن تتسم سبل حسم الخلافات داخل المؤسسة العسكرية بطابع أكثر فجاجة واستخدامًا للقوة العارية.

وهذا بالطبع يعزز أيضًا من الممارسات العنيفة وغير النظيفة داخل المجتمع ككل، ليس فقط في الخلافات الفكرية والسياسية، بل تمتد إلى كل أشكال الخلاف داخل المجتمع، وبشكل منحنى جدلي تصاعدي، وهذا الجدل الصاعد للاستبداد واقترانه بالفساد والممارسات غير النظيفة هو ما رأيناه في الناصرية، والساداتية، وما استشرى في عصر مبارك، وأخيرًا ما نراه اليوم تحت حكم السيسي من استخدام صريح للقوة العارية داخل المجتمع، ومن الزيادة المستمرة في مساحة مرجعية السلاح والإقصاء، واستبدال الدبابة بالديمقراطية، وفي المقابل لا نجد انعكاسًا لهذا كله سوى منحنى هابط على كل مستويات التنمية، مع ازدياد في حدة الاحتقان والعنف المجتمعيين.

وكل هذا بالطبع يصب في صالح الرأسمالية العالمية، التي يضر بمصالحها تحقيق الديمقراطية بأنظمة الحكم في البلدان النامية؛ إذ يعني هذا وقف تدفق الفوائض لمراكزها، مما يهدد بثورة شعوبها على أنظمتها الحاكمة، عبر ما يحدثه من خلل في حالة التوازن التي تحاول خلقه مع شعوبها باستخدام جزء من هذه الفوائض، وبالتالي تغذي وتدعم الاستبداد بما يخدم مصالحها.

وأخيرًا فإن غياب الديمقراطية يعزز نمو النزعات اليمينية العنيفة والجهادية، التي تجد المتنفس لها ومبررًا لوجودها في وعي الجماهير مع كل هزيمة، وكل فساد، وكل فشل جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد