وأمّا الجندية فتُفسد أخلاق الأمّة، حيثُ تُعلِّمها الشّراسة والطّاعة العمياء والاتِّكال، وتُميت النّشاط وفكرة الاستقلال، وتُكلِّف الأمّة الإنفاق الذي لا يطاق، وكُلُّ ذلك منصرف لتأييد الاستبداد المشؤوم، استبداد الحكومات القائدة لتلك القوَّة من جهة، واستبداد الأمم بعضها على بعض من جهة أخرى

عبد الرحمن الكواكبي «طبائع الإستبداد ومصارع الاستعباد»

يجادل الكثير من مؤيدي الحكم العسكري بما ينشب دائمًا من خلافات بين المدنيين المسيسين على السلطة تصل إلى حد الصراعات والتلاسن والاغتيال المعنوي، ويضربون أمثلة عدة على هذه الخلافات والانشقاقات، بما حدث داخل كفاية مثلًا، وما حدث داخل مجموعات دعم البرادعي، والحركات السياسية إبان الثورة المصرية وبعدها جبهات 6 أبريل (نيسان) والدستور، وحتى داخل جماعة الإخوان… إلخ.

فالمدنيون هكذا بطبعهم وفقًا لهذه الرؤية غير مؤهلين لتولي السلطة لقلة انضباطهم وضعف التزامهم، على عكس أبناء المؤسسة العسكرية الذين يتمتعون بقدر كبير من الانضباط والمهنية وبالتالي هم الأكثر ائتمانًا على مقدرات الشعب المصري، وبالطبع يتم ربط هذا بسياقات تاريخية ووطنية وشعاراتية جوفاء تقسم المجتمع إلى مدني وعسكري… إلخ.

إن الرؤية التي تقسم المجتمع إلى مدني مليء بالفساد وانعدام الانضباط، وعسكري هو نموذج للانضباط والملائكية، لا تتغاضى فقط عن الانقسامات الطبقية والانحيازات داخل المجتمع العسكري والمدني وتأثيراتهما، بل هي تتطابق مع رؤية الإسلام السياسي حول ملائكية عصر من العصور واعتباره مرجعية خارجة عن التاريخ لا تخطئ، وبالتالي كما يفرض الإسلام السياسي تاريخ حقبة ما ويجعلها في حالة وصاية دائمة على الحاضر، تفرض الرؤية التي تنزه المجتمع العسكري وصاية دائمة من جزء من الحاضر على جزء آخر دون نقاش، وهو ما يبرر في تقديري التقارب في كل مرة بين الإسلام السياسي والمجتمع العسكري، وهو أيضًا ما يخلق الصدام بينهما بعد ذلك، وبالطبع يغلق هذا التصور الباب أمام منتقدي الرؤيتين، ويضع حجر الزاوية لكل فساد وديكتاتورية واستبداد.

ولكن لو عدنا لحقائق التاريخ المصري سنجد أنها تقوض كل هذا وتأكد على حدوث خلافات عديدة، تكاد تصل الى ان تكون القاعدة وليس الشاذ، ما بين القيادات داخل المؤسسة العسكرية، ولكن الفارق هنا أن المنتصر داخل هذه المؤسسة يكون قادر، بقوة السلاح، على تحطيم منافسيه على كل المستويات، وتزييف التاريخ لصالحه، وسوف أقوم في هذا المقال بمحاولة تسليط الضوء على بعض هذه الأوراق التاريخية المسكوت عنها بغرض تفكيك هذه الأوهام.

خلاف محمد نجيب وجمال عبد الناصر

بعد حركة ضباط يوليو (تموز) 1952 كان المُعلَن أن اللواء محمد نجيب هو قائد الثورة، بينما ظلت السلطة الفعلية بيد مجلس قيادة الضباط الأحرار برئاسة جمال عبد الناصر، وكان اختيار نجيب كلواء هو أحد التكتيكات التى استخدمها الضباط الأحرار للسيطرة على الجيش الذي لم تكن تقبل الكثير من قياداته بأن يحكمها صاغ أو بكباشي، وكذلك لرفع ثقة الشارع بالحركة وفي مدى نضج قيادتها.

في يونيو (حزيران) 1953 أصدر الضباط الأحرار قرارًا جديدًا بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، وإسناد رئاسة الجمهورية، إلى نجيب بجانب رئاسته للوزارة التي شغلها من سبتمبر (أيلول) 1952. أما جمال عبدالناصر، فقد تولى أول منصب عام كنائب لرئيس الوزراء ووزير للداخلية في الوزارة التي تشكلت بعد إعلان الجمهورية وفى الشهر التالي ترك جمال عبد الناصر منصب وزير الداخلية تولاه زكريا محيى الدين، واحتفظ بمنصب نائب رئيس الوزراء.

كان نجيب، نظرًا لخلفيته كقائد كبير بالجيش، غير مؤيد لكثير من الإجراءات التي اتبعها الضباط الأحرار للقضاء على الأرضية التي يرتكن لها النظام الملكي وهي الإقطاع، مثل إلغاء المَلَكية والإصلاح الزراعي المحدود… إلخ، وكان يميل أكثر إلى عودة نظام يشبه ما كان قبل 1952.

وكذلك وضعته جماهيريته النابعة من نشاطه في شعور متناقض بين إحساسه بنفسه وزعامته الجماهيرية، وإحساسه بعدم الاحترام والضآلة الشخصية بين مجلس الضباط الأحرار؛ مما أثار الخلاف بينه وبين ناصر الذي كان يرى في نفسه المفجر الحقيقي لحركة الضباط الأحرار، فقد كان نجيب يخطب فيصفق الجماهير، ويخطب ناصر فيستجدي التصفيق ولا يجده، بينما كان ناصر له الكلمة المسموعة داخل المجلس، بينما هو لا يجد من يصغي له.

بدأ ناصر وزملاؤه التخطيط منذ منتصف عام‏ 1953،‏ لإزاحة نجيب عن السلطة، وكانت الخطوة الأولى إزاحته عن قيادة الجيش، وتعيين عبد الحكيم عامر وهو الأمر الذي تقبله نجيب على مضد، وقال في مذكراته بعد ذلك أنه كان خطؤه الأكبر، كما نجح عبد الناصر بالاشتراك مع عامر في تكوين مجموعات داخل مختلف أسلحة الجيش من الضباط المتوسطي الرتب المنتمين إلى الضباط الأحرار، وهي المجموعات التي عهد إليها أداء أدوار مهمة في أزمة مارس (أذار) 1954،‏ إذ أجهضت هذه المجموعات المساعي الرامية إلى حل مجلس قيادة الضباط وإعادة العمل بالدستور والحريات والحياة النيابية في البلاد، كما عملت على استبقاء السلطة في يد عبد الناصر وعامر وباقي أعضاء المجلس‏؛ إيمانًا منهم بأن ذلك هو السبيل الأمثل لإنقاذ الوطن.

كما كان لنجيب وبعض أعضاء مجلس قيادة الثورة مثل يوسف صديق وخالد محي الدين رأي آخر في ما يتعلق بالديمقراطية، يتمثل في استحالة طي صفحة الماضي كلية مع إمكانية الاستفادة من بعض الإيجابيات التي كانت قائمة قبل حركة الضباط الأحرار، والبناء عليها، كالحوار مع بعض الشخصيات السياسية مثل مصطفى النحاس، علاوة على استبقاء الأحزاب والحركات السياسية المدنية، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين.

وعلى رغم محاولة تدارك مظاهر الخلاف بين ناصر ونجيب، ولو ظاهريًا، بقبول مجلس قيادة الثورة عودة الأخير لرئاسة الجمهورية من دون مناصب أخرى، عبر بيان صدر في مارس 1954 وذلك بعد وقوف الجيش والشارع في صف نجيب بعد إعلانه استقالته في فبراير (شباط) من نفس العام، وهو ما نتج عنه قرارات 25 مارس التي هدفت إلى حل مجلس قيادة الضباط وعودة الحياة النيابية، ولكن في نفس الوقت وبذكاء شديد تولي جمال عبد الناصر رئاسة مجلس الوزراء في 17 أبريل من العام ذاته بعد تحريكه للنقابيين الصفر والحركات المناهضة للديمقراطية في أبريل من نفس العام

ثم جاءت محاولة اغتيال ناصر على يد جماعة الإخوان المسلمين وما أشارت إليه التحقيقات وقتها، وهي تحقيقات قام بها في النهاية المجلس الذي شكله ناصر ورفاقه، من وجود اتصالات بين نجيب وقيادات إخوانية لا تستبعد تأييده مساعيهم لقلب نظام الحكم، لتصعد بمستويات الصراع إلى ذروته.

وهكذا قرر مجلس قيادة الثورة في نوفمبر 1954 بعد اتهام نجيب بالتواصل مع جماعة الإخوان، والتنسيق معها لتصفية عبد الناصر في الإسكندرية أثناء إلقاء خطابه الشهير هناك في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1954، بإعفاء نجيب من مناصبه كافة وتحديد إقامته في فيلا صغيرة بالمرج وغير مسموح له بالتواصل مع أحد ليبقى خارج الحياة العامة يربي القطط والكلاب حتى عفو السادات عنه في 1973، ويحكي صلاح عيسى في حوار له أن خالد محيي الدين قال له إن الشيء الوحيد الذي كان يخرج عبد الناصر عن اتزانه كان ذكر اسم محمد نجيب.

خلاف عبد الناصر وخالد محي الدين

حينما دعا الصاغُ خالد محيي الدين رفاقَه في مارس 1954 إلى العودة لثكناتهم العسكرية لإفساح مجال لإرساء قواعد حكم ديمقراطي نشب خلاف بينه وبين جمال عبد الناصر ومعظم أعضاء مجلس قيادة الثورة استقال على إثره خالد من المجلس، وآثر تحت ضغوط من جمال عبد الناصر الابتعاد إلى سويسرا لبعض الوقت.

خلاف عبد الناصر ويوسف صديق

عقب نجاح حركة الضباط الأحرار دعا يوسف صديق إلى عودة الحياة النيابية، وخاض مناقشات عنيفة من أجل الديموقراطية داخل مجلس قيادة الثورة، ويقول يوسف عن تلك الخلافات في مذكراته:

كان طبيعيًا أن أكون عضوًا في مجلس قيادة الثورة، وبقيت كذلك حتى أعلنت الثورة أنها ستجري الانتخابات في فبراير 1953، غير أن مجلس الثورة بدأ بعد ذلك يتجاهل هذه الأهداف، فحاولت أكثر من مرة أن أترك المجلس وأعود للجيش فلم يُسمح لي بذلك، حتى ثار فريق من الضباط الأحرار على مجلس قيادة الثورة يتزعمه اليوزباشي محسن عبد الخالق (كانت مطالبهم الديمقراطية وحق اختيار قيادات الجيش من أسفل بشكل ديمقراطي) فقام المجلس باعتقال هؤلاء الثائرين ومحاكمتهم، فاتصلت بالبكباشي جمال عبد الناصر وأخبرته أنني لايمكن أن أبقي عضوًا في مجلس الثورة وطلبت منه أن يعتبرني مستقيلًا، استدعاني للقاهرة، ونصحني بالسفر للعلاج في سويسرا في مارس 1953.

وعندما وقعت أزمة فبراير ومارس عام 1954 طالب يوسف صديق في مقالاته ورسائله لمحمد نجيب بضرورة دعوة البرلمان المنحل ليمارس حقوقه الشرعية، وتأليف وزارة ائتلافية من قبل التيارات السياسية المختلفة من الوفد و الإخوان المسلمين والاشتراكيين والشيوعيين، وعلى أثر ذلك اعتقل هو وأسرته، وأودع في السجن الحربي في أبريل 1954، ثم أُفرج عنه في مايو (أيار) 1955 وحددت إقامته بقريته بقية عمره إلى أن توفي في 31 مارس 1975.

خلاف عبد الناصر وعبد الحكيم عامر

المشير عبد الحكيم عامر، صديق ناصر الصدوق، وساعده الأيمن في الإطاحة بمحمد نجيب، قائد القوات المسلحة المصرية لـ13 عامًا، وكان تحت تصرفه أيضًا الشرطة العسكرية، والمباحث الجنائية العسكرية، والبوليس الحربي، والمخابرات الحربية، ولجنة تصفية الإقطاع، والاتحادات الرياضية، وقطاع النقل العام.

بدأ الخلاف بين ناصر وعبد الحكيم مباشرة عقب الفشل الذريع في ادارة المعركة ضد العدوان الثلاثي على مصر في 1956 حيث رفض عامر إيداع بعض قياداته المقصرة للتقاعد، ثم كان فشله الثاني في إدارة ملف الوحدة مع سوريا، حتى أن مدير مكتبه السراج كان قائد الانقلاب في سوريا، اعتزل عبد الحكيم بعد هذا الموقف الحياة لأيام، ثم كتب استقالته المسببة بغياب الديمقراطية!

تدريجيًا بدأ يتفاقم الخلاف بين الرجلين حتى كانت هزيمة 1967 المخزية التي ألقى ناصر ورجاله بكل تبعاتها على القيادة الرعناء لعامر ورجاله، وعقب خطاب التنحي والتظاهرات الشعبية ضد هذا التنحي، أصدر بيانه الشهير بعزل قيادات الجيش وتعيين قيادات جديدة، فكان هذا البيان ذروة الصراع بين ناصر وعامر.

كان لابد من شخص يتحمل الكارثة باعتباره المسئول الأول عن الهزيمة، ولم يكن هناك أفضل من عبد الحكيم عامر للعب هذا الدور، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، ونائب رئيس الجمهورية، والرجل الثاني في الدولة، فضلًا عن أن الجماهير – بعد الهزيمة – كانت مستعدة لتحاكم أي شخص إلا عبد الناصر، الذي رأت أن وجوده الضمان الوحيد للعودة وهزيمة إسرائيل، لذلك كان على المشير أن يدفع الثمن وحده، وهو ما رفضه بشدة وطالب بمحاكمة علنية وجماعية، فتم وضعه تحت الإقامة الجبرية، ثم إعلان رواية رسمية عن انتحاره بعد يوم من تناوله السم في منزله!

دُفن عامر فى قريته أسطال، حيث لم يسمح بتغسيل الجثة أو حتى مجرد كشفها ليراها ذووه.

كانت حركة الضباط الأحرار نتيجة لحالة الفراغ السياسي التي صاحبت حالة النهوض الضخم في الحراك الاقتصادي والاجتماعي الذي سبق 1952، وكان الخلاف حول الديمقراطية محورًا هامًا في النقاش خلال هذه الفترة، هو انعكاس لحالة النقاش المجتمعي حولها، ربما استخدمه البعض كوسيلة وكان للآخرين غاية، ولكن في النهاية انتصر الفريق المعادي للديمقراطية، وهو ما خلف ركام ضخم من الفساد والاستبداد وصل بنا في النهاية إلى الهزيمة الساحقة في 1967.

في الجزء الثاني سنتكلم عن عصر السادات ومبارك وحتى قيام ثورة يناير (كانون الثاني) وكيف تسابق المجلس العسكري ومبارك في البداية على استرضاء الناس؛ لينتهي الأمر بذبح مبارك كقربان للحفاظ على القلب الصلب للدولة الطبقية، وأيضًا للتخلص من طبقة رجال أعمال جمال مبارك التي كانت المنافس الصاعد لسطوة العسكر الاقتصادية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد