تحدثنا في الجزء الأول عما كان من خلافات دارت رحاها بين الضباط الأحرار حول طبيعة ادارة الدولة المصرية وعلى تقسيم السلطة والثروة فيما بينهم، وكيف انعكست في المؤسسة العسكرية وفي المجتمع، وكيف انتهى الأمر  بهزيمة 1967 الساحقة، وسنتحدث في هذا الجزء عن الصراعات التي دارت داخل المؤسسة خلال عصر السادات ومبارك، وحتى قيام ثورة يناير 2011.

خلاف أنور السادات مع علي صبري ومحمد فوزي

عقب وفاة جمال عبد الناصر تولى أنور السادات مهام الرئاسة، وأعقب ذلك في 15 مايو 1971 بالإطاحة بمن أطلق عليهم السادات مراكز القوى التي تمتعت بقدر كبير من السلطات في عهد عبد الناصر فيما أطلق عليه «ثورة التصحيح»، من أبرز هذه الشخصيات:

-نائب رئيس الجمهورية علي صبري.

-وزير الدفاع محمد فوزي.

-رئيس المخابرات العامة أحمد كامل.

-وزير الداخلية شعراوي جمعة.

-وزير الإعلام محمد فائق.

-رئيس البرلمان محمد لبيب شقير.

-سكرتير رئيس الجمهورية سامي شرف.

كان ذلك نتيجة لاكتشافه وفقًا للرواية الرسمية عن تخطيط لانقلاب من قبلهم وتم إلقاء القبض عليهم بالفعل داخل مبنى التلفزيون بمساعدة الحرس الجمهوري.

خلاف أنور السادات وسعد الدين الشاذلي

رغم مكانة الفريق سعد الدين الشاذلي رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة خلال التحضير لحرب أكتوبر وأثناء الحرب، إلا أن حياته شهدت خلافات سياسية مع السادات ومبارك.

في عام 1978 أصدر الرئيس الراحل أنور السادات مذكراته «البحث عن الذات»، واتهم فيها الفريق الشاذلي بالتخاذل وحمله مسؤولية ثغرة الدفرسوار، ووصفه بأنه عاد منهارًا من الجبهة يوم 19 أكتوبر وأوصى بسحب جميع القوات في الشرق، ما دفع بالفريق الشاذلي للرد بنشر مذكراته (حرب أكتوبر)، والذي يعتبر من أدق الكتب التي تحدثت عن الحرب.

وقال الفريق الشاذلي في كتابه إن الرئيس أنور السادات اتخذ قرارات خاطئة رغم نصائح المحيطين به من العسكريين، مثل تطوير الهجوم دون غطاء جوي يوم 14 أكتوبر والذي كان السبب الرئيسي في حدوث الثغرة وحصار الجيش الثالث الميداني لثلاثة أشهر، ثم رفضه خطة الشاذلي للقضاء على الثغرة بالتراجع التكتيكي لبعض القوات لمواجهة القوات المعادية.

واتهم الرئيس أنور السادات بالتنازل عن النصر والموافقة على سحب أغلب القوات المصرية إلى غرب القناة في مفاوضات فض الاشتباك الأولى، وأنهى كتابه ببلاغ للنائب العام يتهم فيه السادات بإساءة استعمال سلطاته، وهو الكتاب الذي أدى إلى تقديمه للنيابة العسكرية في عصر السادات بتهمة إفشاء أسرار عسكرية ولكن النيابة العسكرية رفضت محاكمته، ثم وبعد تولي مبارك الحكم أعاد الملف للنيابة العسكرية التي حاكمته غيابيًا عام 1983 بتهمة إفشاء أسرار عسكرية وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات ووضعت أملاكه تحت الحراسة، كما تم حرمانه من التمثيل القانونى وتجريده من حقوقه السياسية.

كما أمر الرئيس أنور السادات قبلها بالتخلص من جميع الصور التي يظهر فيها الفريق الشاذلي إلى جواره داخل غرفة العمليات، واستبدالها بصور يظهر فيها اللواء محمد عبدالغني الجمسي رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة في ذلك الوقت، في محاولة منه بمحو أي دليل يشير إلى دور الفريق الشاذلي في معركة العبور.

ربما كان الخلاف الجذري بين السادات والشاذلي هو تخطيط السادات لأن تكون حرب أكتوبر معركة قصيرة الأمد لتحريك العملية السياسية والارتماء في حضن الولايات المتحدة، خاصة بعد الهزيمة العملية والرمزية لمشروع التحرر الوطني لناصر كما كانت وجهة نظره، بينما كان يراها الشاذلي حرب تحرير واستنزاف طويلة الأمد ضد العدو الصهيوني.

عمومًا في مساء 14 مارس 1992 عاد الفريق الشاذلي إلى مصر بعد أن قضى 14 سنة منفيًا في الجزائر منها سنتان في عهد أنور السادات، و12 سنة في عهد مبارك، حيث قبض عليه فور وصوله لمطار القاهرة، وتمت مصادرة جميع الأوسمة والنياشين الممنوحة له، وإجباره على قضاء مدة الحكم عليه بالسجن الحربي التابع للجيش الثالث الميداني.

خلاف السادات والجمسي

بعد وفاة المشير أحمد إسماعيل بشكل مفاجئ في لندن أصبح الجمسي وزيرًا للدفاع في ديسمبر 1974، وانتقد الجمسي في مذكراته التصرف الفردي الدائم من قبل السادات في القرارات الاستراتيجية دون العودة لقياداته العسكرية ودون العودة لأحد، فيحكي أنه في أحد جولات المفاوضات الشاقة والطويلة قال وايزمان وزير الدفاع الإسرائيلي للجمسي: إن الرئيس السادات اتفق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بيجن أن تكون المنطقة شرق خط المضايق منزوعة السلاح.

وقال له الجمسي إن هناك سوء فهم حول هذا الموضوع، وراح يشرح له، فقال وايزمان لا يمكن أن يكون بيجن لم يفهم السادات إلي هذه الدرجة.

وبعد الاجتماع طلب الجمسي الرئيس السادات وشرح له ما قاله وايزمان وأوضح له الخطورة التي تتعرض لها مصر إذا كان الوعد الذي أعطاه لإسرائيل صحيحًا، شرح له خطورة أن يصبح الجزء الأكبر من سيناء 150 كيلو مترًا حتى الحدود الشمالية منزوع السلاح وأن تتمركز قواتنا على خط المضايق يعني أنها تتركز على آخر الخطوط الدفاعية في سيناء. الأمر الذي لا يحقق الدفاع عن سيناء أو منطقة القناة التي تبعد عنه بحوالي 55 كيلو مترًا فقط وأوضح له أننا بذلك نترك نحو 150 كيلومترًا فراغًا استراتيجيًّا دون أي خطوط دفاعية الأمر الذي يتيح لإسرائيل احتلالها في وقت قصير جدًا، وهذا الوضع الجديد لقواتنا يستتبعه حتمًا حرماننا من كل المطارات العسكرية بسيناء وأن هذا يضع قواتنا في الموقف الأضعف دفاعًا وهجومًا. وهو ما لا يمكن قبوله عسكريًا، ورجاه كما يحكي أن يتدخل سياسيًا لتفادي هذا الموقف الخطير، كان السادات يستمع فقط واقتصر في رده وتعليقه بكلمة، طيب.. طيب.. طيب.. أشكرك.

وكذلك يحكي أنه عند سفر السادات لكامب ديفيد 1978 اقترح عليه الجمسي أن يصطحب أحد القادة العسكريين ضمن الوفد المصري، ولكنه لم يوافق علي هذا الاقتراح، ولذلك جاءت اتفاقية كامب ديفيد ـ من الناحية العسكرية تعبر عن نفسها فقط! هكذا يقول الجمسي معبرًا عن رفضه لهذه المعاهدة.

وبعد أسبوعين فقط من توقيع اتفاقية كامب ديفيد وبالتحديد في 3 أكتوبر 1978 وقبل يومين من أول احتفال بذكرى النصر قرر السادات إقالة الجمسي لأنه سيبدأ مرحلة جديدة من السلام مع إسرائيل!

ويعلق الجمسي  في مذكراته علي واقعة خروجه قائلًا: شعرت بالضيق والأسى من قرار الإقالة لأنه جاء قبل يوم واحد من الاحتفال بالذكرى الخامسة لنصر أكتوبر، ويسأل في حزن: ألم يكن من الأفضل والأنسب أن يتم ذلك في أي يوم آخر.. من حق رئيس الدولة إجراء التغييرات في أي وقت، ولكنني كنت آمل فقط أن يكون هناك حسن اختيار التوقيت مراعاة الناحية المعنوية التي تعتبر حدثًا مهما في حياة كل مقاتل.

خلاف حسني مبارك وعبد الحليم أبو غزالة

عقب اغتيال السادات وتولي مبارك سدة الحكم كان واضحًا مدى قوة ونفوذ وزير الدفاع أبو غزالة والذي نزل بقواته فور مقتل السادات وكان فعليًا يحكم البلاد.

ومع اندلاع الحرب الروسية الأفغانية حاول مبارك ضرب عصفورين بحجر واحد ففتح الباب لهجرة المجاهدين لأفغانستان للتخلص منهم وفي نفس الوقت إرضاء الولايات المتحدة الامريكية، التي كان هؤلاء المجاهدين جيشًا لها في أفغانستان لاستنزاف الاتحاد السوفيتي في معركة طويلة.

ولكن دور أبو غزالة طغى على دور مبارك، عندما وجد الأمريكان أنفسهم في مأزق حيث إنهم كانوا لا يريدون إعطاء أسلحة أمريكية للمجاهدين حتى لا تشتعل الحرب الباردة، وبالتالي طلبوا من أبو غزالة في صفقة كبيرة منح المجاهدين السلاح السوفيتي المخزون لدى الجيش المصري بمقابل سخي، منحت موافقة أبو غزالة على هذا الطلب، ثقلًا كبيرًا له لدى الولايات المتحدة.

كما قام أبو غزالة بالاستفادة من خبراته في صفقات المعونة العسكرية الأمريكية، وذلك من خلال ترأسه لما يسمى باللجنة العليا لسيارة الركوب المصرية، وهي اللجنة التي أنهت علاقة دامت ربع قرن بين شركة فيات الإيطالية والحكومة المصرية من خلال شركة النصر للسيارات «ناسكو» وأحلت محلها علاقة جديدة بين ناسكو وشركة جنرال موتورز بحيث أصبح للشركة الأمريكية احتكار تام على مبيعات السيارات الجديدة في مصر.

هذا الصعود دفع مبارك لاتخاذ أولى خطوات عزله سياسيًا بإخراجه من عضوية المكتب السياسي للحزب الوطني الذي أسسه السادات في نوفمبر 1984 مستندًا إلى مادة في الدستور تمنع العسكريين العاملين من الانضمام للأحزاب السياسية.

ازداد موقف مبارك حرجًا أمام أبو غزالة عندما اندلعت المظاهرات التي قامت بها قوات الأمن المركزي في 25 – 26 فبراير 1986 واضطراره بعدها لإقالة وزير الداخلية اللواء أحمد رشدي، طلب مبارك نزول الجيش إلى الشارع من أبو غزالة لإنقاذه، ليسيطر أبو غزالة على مصر كلها، ليس هذا فقط ، بل قام أبو غزالة بالدفع بأتوبيسات القوات المسلحة لكي تقوم بنقل الناس إلى منازلهم داخل وخارج القاهرة بعد أن أصيبت الخدمات بالشلل، هكذا بدا أبو غزالة قويًا منقذًا في مواجهة مبارك الضعيف المختبئ.

تأكد مبارك من خطورة أبوغزالة عليه فحاول أن يلوح له بمنصب نائب رئيس الجمهورية على أمل أن يقنعه بأن يترك وزارة الدفاع بأمان وهدوء، ولكن كان رد أبوغزالة أنه مستعد لقبول منصب نائب رئيس الجمهورية بشرط أن يظل وزيرًا للدفاع، في هذه الأثناء وصلت إلى مبارك رسالة من الولايات المتحدة تؤكد عدم ترحيبها بأي خطوة يقوم بها لإقالة المشير فتراجع عن تلك الفترة في ذلك التوقيت. لكن بعد ذلك حدثت تطورات كثيرة أهمها انخفاض الرضا الغربي عنه نتيجة لعلاقاته بعراق صدام حسين، وهو ما سهل على مبارك تنفيذ مخططه بإقصاء المشير أبو غزالة في 1989 فيما أطلق عليه «شلوطًا» لأعلى بتعيينه مستشار الرئيس للشئون الخارجية ثم تم نشر فضائح وتسريبات له عن علاقته بسيدة أجنبية لتدمير أي مستقبل محتمل له.

خلاف مبارك وطنطاوي

كان هناك غضب مكتوم من طنطاوي وجنرالات الجيش المصري عمومًا من مشروع التوريث الذي يقوم مبارك بتمريره، ربما لرفضهم لتولي مدني الحكم، وربما لما جاء به جمال من ميزات اقتصادية لرجال الأعمال على حساب بيزنس الجيش، كشف موقع «ويكيليكس» في برقية دبلوماسية أمريكية نقلتها جريدة الديار اللبنانية في 2007، عن أن وزير الدفاع المصري المشير محمد حسين طنطاوي كان مستاءً من جمال ابن الرئيس السابق حسني مبارك واحتمال خلافته لوالده، وأنه لا يستبعد القيام بانقلاب لتصحيح الأوضاع في حالة غياب مبارك.

وبدا هذا واضحًا أكثر بعد ثورة يناير التي كشفت عن مدى كراهية الجيش لجمال مبارك وحاشيته حتى وصل الأمر الى الدخول في سباق مع حسني مبارك على تقديم التنازلات، واسترضاء الشارع الغاضب انتهى بفوز طنطاوي ورحيل مبارك.

وللحديث بقية في الجزء الثالث عن خلافات عصر السيسي وكيف انتهى الأمر بالجنرال مبارك نفسه محكوم عليه في قضية القصور الرئاسية لمنعه وولديه من العودة للمجال العام مرة أخرى.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد