بعد موجة الأحداث الدموية التي شهدها العراق وسوريا بعد ظهور داعش، باعتبارها خطرًا يهدد أمنها وأمانها، ويلوح بدولة ذي عقائد ضحلة وفكر متطرف، فمنذ أكثر من سنة وشبح الدمار والخراب يتسيّد المشهد في كلا البلدين نتيجة الاستخدام المفرط للآلة العسكرية وبمختلف صنوفها بغية القضاء على تنظيمات الإرهاب والقتل وسفك الدماء واستباحة الأعراض، وقد رأينا كم من الأرواح قد سقطت تحت القصف العنيف، الذي لا يزال تعتمد عليه القطعات العسكرية وقياداتها الأمنية.

 رغم التقدم الكبير الذي تحرزه تلك الجيوش العسكرية على أرض الميدان وإنزالها الخسائر الكبيرة في العدة والعدد في صفوف داعش، إلا أن ذلك لم يجدِ نفعًا في الوقت الذي كنا نتوقع فيه تحرير الأراضي المحتلة في أسرع وقت وبأقل الخسائر المادية والبشرية، ومع كل الأسف فكما يُقال تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فقد حصدت ارواح المئات من العزل والأبرياء ما بين ضحايا مجزرة لمئات الأطنان من الأعتدة الفتاكة أو نتيجة سياسة داعش الهمجية القائمة على استخدام الناس باعتبارهم دروعًا بشرية يحتمي بها عناصر هذا التنظيم الإرهابي مما يدلل على شعورهم باليأس والضعف والانهزامية، وهذا ما سيفتح الباب على مصراعيه أمام القوات العسكرية لتحقيق تقدم لها وتوغلها في عمق الأراضي المغتصبة، لكن ثمة سؤال يطرح نفسه وهو لو تم القضاء على داعش هل سينتهي معه فكره المتطرف ومنهاجه العقيم ولا يلوح في الافق من جديد؟ فداعش فكر ومنهج وعقيدة أكثر مما هو تنظيم مسلح وما اعتماده على نشر أبجديات توحيده المجسم للذات المقدسة من خلال الشبكة العنكبوتية إلا أكبر دليل على عقائديته البحتة التي يسعى من ورائها الهيمنة على عقول الناس وبسط ما بجعبته من تلك السموم الفكرية وترسيخ جذورها. ومهما كان الثمن المهم عندهم إفراغ الساحة من قيم ومبادئ الإسلام واستبدالها بشريعتهم القائمة على الهرج والمرج وكما يدَّعون في مواريث أئمتهم الخوارج.

 لذا فالعقل والمنطق يجنحان إلى الحوار والمجادلة بالحسنى مع الفكر الداعشي، وتحليل طبيعته فكريًا وأصوليًا وخلاف ذلك لا يجدي نفعًا ولا يعطي الحلول الناجعة للخلاص من داعش وما خلفه من انحراف فكري وعقائدي راح ضحيته آلاف الناس،  إذاً لا بد من مواجهة الفكر بالفكر، ليس بالاعتماد على لغة السلاح فقط والأيام القادمة ستكشف لنا وللعالم أجمع أن القوة ومنطق السلاح مهما بلغت وازدادت قوةً وحجمًا من حيث العدة والعدد فلا طائل من ورائها ولا يمكن جني ثمارها ما لم يكن للخيار الفكري والحوار العلمي حضورًا فعالًا في خضم الأحداث الجارية وهذا ما دعا إليه رجل الدين الشيعي الصرخي الحسني، ومنذ سنوات كانت آخرها في محاضرته (29) من بحثه الموسوم ( وقفات مع التوحيد التيمي الجسمي الأسطوري ) في 28/3/2017 فقال الداعية الصرخي: «فلا توجد نهاية لهذا التكفير وللمآسي التي يمر بها المجتمع المسلم وغيره إلّا بالقضاء على هذا الفكر التكفيريّ، أمّا الحلول العسكريّة والإجراءات الاستخباراتيّة والمواقف الأمنيّة والتحشيدات الطائفيّة والوطنيّة والقطريّة والقوميّة والمذهبيّة والدينيّة فهذه لا تأتي بثمرة إذا لم يُعالج الفكر التكفيريّ ومنبعه».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد