ما الذي قد يجمع الشيخ الأكبر بفيلسوف التشاؤم؟

قد يبدو الجمع بين إسمي محي الدين بن عربي وآرثر شوبنهاور في جملة واحدة ضربًا من اللامعقول، فقد نشأ كلًّا منهما في سياق ثقافي واجتماعي مغاير، وكلاهما ينتمي إلى طريقة في التفكير مختلفة عن الآخر، فالشيخ الأكبر ينتمي إلى الاتجاه العرفاني الصوفي في الحضارة العربية الإسلامية الذي لا يعوّل على العقل في معرفة الحقائق الكبرى، أما شوبنهاور فقد ولد بألمانيا وكتب كتابه (العالم إرادة وتمثلًا) بالقرن التاسع عشر وقت أن اتحدت أوروبا ضد نابليون حتى هزمته، حيث نراه يقول بأن التمثُّل (بالإنجليزية Representation) الذي يكون في الأذهان وقت عرض موضوعات الذوات الواقعة في نطاق الزمان والمكان على الحواس هو المصدر الوحيد الذي تتشكل منه كل المعارف كما سنبين. فما الذي قد يجمع بينهما يا ترى؟

الإدراك الواقعي

يعول الشيخ الأكبر على المحسوسات في معرفة العالم الواقعي فنراه يقول صراحة «فالحس أشرف من العقل».

ثم نراه ينتقل إلى الفكر باعتباره المَلكة التي يستطيع بها الإنسان تنظيم سيل المحسوسات باستخدام المبادئ الأولية التي توجد في العقل فيقول «أما القوة المفكرة فلا يفكر الإنسان أبدًا إلا في أشياء موجودة عنده تلقاها من جهة الحس وأوائل العقل».

ثم يسحب كل مزية للعقل باستثناء تلك الأوليات الموجودة فيه دون أي كَسب منه «العقل لا علم عنده إلا الضروريات التي فطر عليها»، وبموضع آخر نراه يسلب العقل من أي قدرة إلا استقبال ما يرد إليه من طريق الحواس والفكر «فقد علمنا أن العقل ما عنده شيء من حيث نفسه، وأن الذي يكتسبه من العلوم إنما هو من كونه عنده صفة القبول».

ومن هذا المنطلق فإنه يَنسب أي خطأ معرفي إلى العقل باعتباره السيد على ما يُجْمع بواسطة الحس السليم «فلم يجعل للحس غلطًا جملة واحدة، وأن الذي يدركه الحس حق فإنه موصول (…) وإنما العقل هو الحاكم والغلط منسوب إلى الحاكم في الحكم»، ذلك لأن الحواس لا تتصرف بالمادة التي تمدها بها الطبيعة؛ بل تذهب بها إلى العقل فما يكون من خطأ فمنه «فما غلط حس قط ولا ما هو إدراكه ضروري، فلا شك أن الحس رأى تحركًا بلا شك ووجد طعما مرُّا بلا شك، فأدرك بالبصر التحرك بذاته (…) فبان أن العقل غلط لا الحس، فلا ينسب الغلط أبدًا في الحقيقة إلا للحاكم لا للشاهد».

ولذلك؛ فإن العقل الذي يعتمد على الفكر لا يستطع إنتاج الجديد، فهو أسير تقليد ما يصل إليه من الواقع «فلا شيء أكثر تقليدًا من العقل وهو يتخيل أنه صاحب دليل إلهي وإنما هو صاحب دليل فكري، فإن الفكر يمشي به حيث يريد، والعقل كالأعمى بل هو أعمى عن طريق الحق».

يتضح مما سبق أن الشيخ ابن عربي يرى أنه لاكتساب المعرفة من العالم يجب أن تمر المعلومة الواقعية بثلاث مستويات إدراكية متصلة، فالحس عنده هو أصدق المستويات جميعًا، وبه يجمع الإنسان المعلومات من محيطه، ثم تنطلق تلك المعلومات إلى الفكر الذي يستخرج منها المعرفة بمساعدة الأوليات العقلية، والعقل بمعناه العام هنا ليس لديه القدرة على إنتاج أي شيء جديد؛ بل إنه يعيد فقط تشكيل ما يرد إليه من طريق الحس.

لو أردنا أن نلخص فلسفة شوبنهاور المعرفية فيمكننا أن نقول “إنها فلسفة البداهة التي تعادي المنطق”، فإننا نراه مثلًا في الفصل التاسع من كتابه (العالم إرادة وتصورًا) يهاجم علم المنطق ولا يجد له أي فائدة عملية إلا عند محاورة السوفسطائيين.

يؤكد شوبنهاور على أن المعرفة لا يكون مصدرها من العقل نفسه؛ بل إنه يستمد كل معرفته من الإدراك العياني (تنظيم المعلومات الحسية عن طريق الذهن) الذي يتحول لتجربة بعد التأمل في إدراك حالات فردية متعددة «لقد رأينا كل معرفة عقلية لا يكمن مصدرها في العقل ذاته، وإنما بالأحرى تودع في العقل بعد أن تم تحصيلها أولًا كمعرفة للإدراك العياني (…) وكل شخص يكتسب معرفة عقلية بأشياء مختلفة عديدة من خلال التجربة، أي من خلال التمعن في الأشياء الفردية التي تتمثل أمامه»، وفي موضع آخر أكثر وضوحًا نراه يسلب العقل من أي معرفة ذاتية ممكنة إلا تلك التي ينتجها بعد أن يستقبل من الحواس المعلومات اللازمة «إن العقل أنثوي بطبيعته؛ فهو يمكن أن يهب فقط بعد أن يتلقى».

وبمثل الضروريات العقلية عند ابن عربي نجد عند شوبنهاور مبدأ العلة الكافية؛ وهو مبدأ يبدو أن شوبنهاور قد استعاره من فيلسوفه المفضل كانط، فإننا نجده في كتابه (نقد العقل الخالص) يقول «إن مبدأ العلة الكافية بالتالي هو أساس الخبرة الممكنة، أي المعرفة الموضوعية بالظاهرات بالنظر إلى علاقتها في نظام الزمان». وباختصار يمكننا أن نُعرّف هذا المبدأ بأنه قانون السببية أو ثنائية العلة والمعلول، ويمكن لكل الأذهان إدراكه بطريقة قبلية أو بديهية من الواقع، يقول شوبنهاور «فمعرفة العلية هو الملكة الفريدة للذهن، وقوته الوحيدة»، وبموضع آخر نراه يؤكد على أن الإدراك يقع في الذهن وأن الحواس ما هي إلا موصل للمعلومات التي تتوارد إلينا من حولنا «فما تخبره العين والأذن أو تحسه اليد ليس إدراكًا عيانيًّا، وفقط من خلال انتقال الذهن من المعلول إلى العلة، يظهر العالم بوصفه إدراكًا عيانيًّا».

يبقى السؤال: هل كان لدى شوبنهاور تلك المستويات الإدراكية الثلاثة (الحس والذهن والعقل) كما عند الشيخ الأكبر؟. الإجابة نعم، ففي الفصل الثامن من كتابه نجده يثبت الذهن للإنسان والحيوان، أما العقل عنده فهو ما يميز الإنسان وحده، فالعقل هو مرتبة أعلى من الذهن يستطيع إنتاج التصورات أو المفاهيم المجردة؛ ولكنه يعتمد في الأساس على الحواس والذهن في إنتاج تلك التصورات «الذهن يكون مختلفًا كلية عن ملكة العقل، وهي ملكة المعرفة التي أضيفت للإنسان وحده»، وبصورة أخرى «وحيث إن نشاط الذهن لا يكون تأمليًّا استدلاليًّا (العقل)، وإنما يكون مباشرًا وفوريًّا».

يمكننا بعد هذا العرض الميسور أن نقول أن فلسفة ابن عربي تتشابه مع فلسفة شوبنهاور كثيرًا فيما يتعلق بإدراك الواقع، فكلاهما يؤكد على دور الحواس الأساسي في تشكيل المعرفة العقلية، فلا توجد معرفة عقلية خالصة إلا تلك الأوليات (عند ابن عربي) أو العلة الكافية (عند شوبنهاور)، فالعقل لديه صفة القبول أو هو أنثوي بطبيعته.
ثم نجد ذلك التقسيم الثلاثي لمستويات الإدراك عند كليهما؛ بحيث يبدأ من الحس ثم الفكر أو الذهن لينتهي عند العقل.
هل ينتهي التشابه عند هذا الحد؟


ربنا “لا” يعرف بالعقل


في تصديره للطبعة الثانية من كتابه (العالم إرادة وتصورًا) يتحدث شوبنهاور عن ملامح فلسفته حتى نراه يهاجم الفلسفة الأكاديمية مشيدًا بدور كانط في فقرة تبين لنا علاقة فلسفته بالميتافيزيقا «غير أن فلسفتي ليست بالقطع على ذلك النحو الذي يتيح لأي شخص أن يتعيّش منها، فهي تفتقر إلى المطلب الأول اللازم للفلسفة الجامعية المتأستذة التي تكفل رواتب مجزية؛ أعني اللاهوت التأملي الذي ينبغي ويلزم أن يكون الموضوع الرئيس لكل فلسفة، نكاية في كانط المزعج بكتابه في نقد العقل (…) والواقع أن فلسفتي لا تعترف بتلك الصورة الخيالية للعقل». وربما لو عرفنا رأي كانط “المزعج” في اللاهوت التأملي أن نفهم بصورة أعمق كلمات شوبنهاور السابقة. فما الذي يقوله كانط؟

يقيم كانط في كتابه (نقد العقل الخالص) البراهين على ضرورة استبعاد القضايا التقليدية التي تبحثها الفلسفة اللاهوتية التأملية – كالبحث عن حقيقة وجود الله ووجود النفس – من مجال البحث الميتافيزيقي المشروع، فالبحث في مثل هذه القضايا ينتمي عنده إلى الميتافيزيقا غير المشروعة التي تتعالى عن عالم الظواهر أو عالم التجربة؛ أي أنها تتجاوز حدود المعرفة العقلية الممكنة التي ينبغي أن تبقى في إطار عالم الظواهر، وهذا يعني أن مثل هذه القضايا تعد موضوعًا للتسليم أو الاعتقاد لا موضوعًا لليقين العقلي الذي يستطيع أن يقيم البرهان على حقيقة موضوعه.

من ناحية أخرى؛ فإن المطلع على الأدبيات الصوفية يمكنه استنتاج أن أهل العرفان قد آثروا تغيب العقل حتى تملأ الأنوار القدسية قلوبهم بمعرفة الحق.

أجاز الشيخ الأكبر البرهان العقلي على وجود الله من أجل دفع الشبهات والرد على الخصوم «فيحصل من طريق البرهان ما يرد به الشبهة المضلة والقادحة في وجود الحق (…) فالبرهان يرد على المعطلة، ويدل على إثبات وجود الإله وبه نرد على أهل الشرك».

أما فيما يتعلق بالمؤمن فإن إيمانه ينبغي أن يبدد كل سؤال لأنه كما يقول الشيخ «للعقول حد تقف عنده».

ثم نراه في موضع آخر يرشد إلى ضرورة تعطيل العقل من أجل معرفة الحق كل على قدر استعداده فيقول «الحق الذي نأخذ العلوم عنه بخلو القلب من الفكر والاستعداد لقبول الواردات هو الذي يعطينا الأمر على أصله من غير إجمال ولا حيرة».

وبموضع آخر يحذر من إعمال العقل في الإلهيات لأن ذلك يودي بالعبد إلى الهلاك «فمن طلب الله بعقله من طريق فكره ونظره فهو تائه وإنما حسبه التهيؤ لقبول ما يهبه الله من ذلك فافهم»، ويقول «ونمنع من الفكر جملة واحدة لأنه يورث التلبيس وعدم الصدق».

وبموضع عذب نراه يزيح مكانة الفكر كمورد لليقين العقلي ويضع مكانه القلب كمنبع محتمل آخر لليقين «فلا تكون معرفة الحق من الحق إلا بالقلب لا بالعقل ثم يقبلها العقل من القلب كما يقبل من الفكر».

وأخيرًا، بعد هذا التجوال البسيط، يمكننا أن نرى تلك الخطوط العريضة التي جمعت بين الشيخ والفيلسوف، أقصد ذلك التشابه المتعلق بكيفية إدراكنا للواقع، كما يبدو أن كليهما قد منع العقل من التفكير في المطلقات الميتافيزيقية كل على طريقته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد