يروي لنا زوربا قصة حدثت مع جده الذي قرر مرة أن يذهب إلى الحج، وعندما رجع إلى القرية قال له أحد شركائه، وكان يسرق الخراف، ولم يفعل أي شيء شريف في حياته: هل جئت لي بقطعة من الصليب المقدس؟ فأجابه: بالتأكيد، وكيف أنساك أيها الشريك، احضر هذا المساء إلى منزلي وأحضر معك الكاهن، وبعض الخمر، وخنزيرًا، سنحتفل وأعطيك القطعة؟!

وفي المساء، رجع جدي إلى منزله وقطع من بابه الذي كان مسوسًا، قطعة صغيرة جدًّا من الخشب بحجم حبة الأرز، وصب عليها قليلًا من الزيت، ولفها بالقطن، وجلس ينتظر، وبعد قليل حضر الشريك والكاهن ومعهما الخمر والخنزير، وتناول الشريك القطعة النفيسة، وانهالوا على الخنزير يلتهمونه، ولكن الشريك ركع ساجدًا أمام القطعة الخشبية وعلقها بعنقه، ومنذ ذلك الحين تغير وأصبح إنسانًا آخر، فذهب إلى الجبل وانضم إلى الثوار واشترك بإحراق الأتراك، وكان يخوض المعارك ويهاجم بشجاعة وبسالة، دون خوف من الرصاص، فمعه قطعة من الصّليب المقدس، والرصاص لن يصيبه. علّق زوربا على قصة جده هذه بالقول: الإيمان هو كلّ شيء، فإن كان معك قطعة من باب قديم فتصبح حجابًا مقدسًا، وإن لم يكن لديك هذا الإيمان، فإنّ الصليب المقدس كله سيتحول لباب خشبي قديم.

يُستعمل لفظ المعجزة عادة بمعنيين:

  • يُشير إلى حادثة تتضمن قلبًا لقوانين الطبيعة، أو تدخلًا لما هو فوق الطبيعي في المجال الطبيعي.
  • يُشير إلى حادثة نادرة وغريبة لا يمكن فهمها.

ولا يمكن أن يفهم لفظ المعجزة إلا في صلته بآراء الناس، ويعني مجرد عمل لا نستطيع أن نبين علته قياسًا على شيء آخر معروف، بمعنى آخر: إن المعجزة حادثة لا نستطيع أن نبييّن علتها اعتمادًا على مبادئ الأشياء الطبيعية كما ندركها بالنور الفطري، وقد بيّن إسبينوزا مرةً: أن القدماء قد أدخلوا في باب المعجزات كل ما لم يستطيعوا تفسيره بالوسيلة التي اعتاد العامة الالتجاء إليها لتفسير الأشياء الطبيعية، مثلما يسمى العلم الذي يتعدى فهم الإنسان إلهيًّا، اعتاد الناس تسمية العمل الذي يجهلون سببه عملًا إلهيًّا.

تعد المعجزات في الديانات التوحيدية الثلاث علامات على قدرة الله الكلية، وهي مصممة لإيقاظ الناس من غفلتهم، ولجعلهم يستشعرون بالندم، ويتوبون بالرجوع إلى الله أكثر من كونها لإثارة التعجب، فمثلًا في الديانة اليهودية نرى أن معجزة توقف الشمس على يد يشوع بن نون، الفتى المرافق لموسى الذي أخرج قوم موسى من التيه ودخل بهم بيت المقدس، بعد حصار وقتال شديد مع القوم الجبّارين، فبدأ الانتصار في عصر يوم الجمعة، واقتربت الشمس من الغروب، ولم يبق إلا لحظات وتغرب الشمس، والنصر يحتاج إلى فترة أكثر، وخشي يشوع أن يدخل يوم السبت فيُحرم القتال، لأن شريعة بني إسرائيل تحرم عليهم القتال في هذا اليوم الذي يبدأ عندهم مع دخول وقت المغرب، وخاف أن يفقد الانتصار الذي بدأ به، ويكون للقوم الجبّارين فرصة لأن يعيدوا جمع شتاتهم وقوتهم، وفي ذلك الوقت نظر يشوع إلى الشمس وقال: «يا شمس دومي على جبعون، ويا قمر على وادي أيّلون. فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه» ( سفر يشوع، 10: 12).

تساءل إسبينوزا معلقًا على هذه القصة بالقول: هل نحن ملزمون بأن نعتقد بأن يشوع كان ضليعًا في علم الفلك؛ لأنه كان يعتقد أن الشمس تتحرك وبأن الأرض ثابتة؟ في رأيي أنه من الأفضل أن أقول صراحة أن يشوع قد جهل علة بقاء الضوء، وأنه اعتقد مع جمهور الحاضرين بدوران الشمس حول الأرض، وبأنها توقفت في هذا اليوم بعض الوقت، ولم يلحظ أن كمية الثلج الضخمة التي كانت عندئذ معلقة بالهواء، أو أي علة أخرى مشابهة، قد تكون هي السبب في حدوث انعكاس غير عادي للضوء.

بينما تتمثل أكبر المعجزات في الديانة المسيحية في معجزتين:

1 – في التجسيد، أي الله أصبح إنسانًا: «في البَدءِ كَانَ الكَلِمةُ، والكَلِمةُ كان عِندَ اللهِ، وكَانَ الكَلِمةُ اللهَ… والكَلِمةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلّ بَينَنَا» (إنجيل يوحنّا، 1: 1، 14)، «أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟ أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟ الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ. صَدّقُونِي أَنّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ، وَإِلّا فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا» «إنجيل يوحنا، 14: 9- 11).

2- وفي قيام المسيح يسوع من بين الأموات: «ثُمَّ فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَوَّلَ الْفَجْرِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ حَامِلاَتٍ الْحَنُوطَ الَّذِي أَعْدَدْنَهُ وَمَعَهُنَّ أُنَاسٌ. فَوَجَدْنَ الْحَجَرَ مُدَحْرَجًا عَنِ الْقَبْرِ، فَدَخَلْنَ وَلَمْ يَجِدْنَ جَسَدَ الرَّبِّ يَسُوعَ. وَفِيمَا هُنَّ مُحْتَارَاتٌ فِي ذَلِكَ إِذَا رَجُلاَنِ وَقَفَا بِهِنَّ بِثِيَابٍ بَرَّاقَةٍ. وَإِذْ كُنَّ خَائِفَاتٍ وَمُنَكِّسَاتٍ وُجُوهَهُنَّ إِلَى الأَرْضِ قَالا لَهُنَّ: «لِمَاذَا تَطْلُبْنَ الْحَيَّ بَيْنَ الأَمْوَاتِ؟ لَيْسَ هُوَ هَهُنَا لَكِنَّهُ قَامَ! اُذْكُرْنَ كَيْفَ كَلَّمَكُنَّ وَهُوَ بَعْدُ فِي الْجَلِيلِ قَائِلًا: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي أَيْدِي أُنَاسٍ خُطَاةٍ وَيُصْلَبَ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ». فَتَذَكَّرْنَ كَلاَمَهُ، وَرَجَعْنَ مِنَ الْقَبْرِ وَأَخْبَرْنَ الأَحَدَ عَشَرَ وَجَمِيعَ الْبَاقِينَ بِهَذَا كُلِّهِ. وَكَانَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَيُوَنَّا وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَالْبَاقِيَاتُ مَعَهُنَّ اللَّوَاتِي قُلْنَ هَذَا لِلرُّسُلِ. فَتَرَاءَى كَلاَمُهُنَّ لَهُمْ كَالْهَذَيَانِ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُنَّ. فَقَامَ بُطْرُسُ وَرَكَضَ إِلَى الْقَبْرِ فَانْحَنَى وَنَظَرَ الأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً وَحْدَهَا فَمَضَى مُتَعَجِّبًا فِي نَفْسِهِ مِمَّا كَانَ» (إنجيل لوقا، 24: 1- 12).

بل ما تزال المعجزات تحدث في بعض الأماكن، مثل معجزة الشفاء، التي تتطلب الكنيسة الكاثوليكية الرومانية برهانًا من المعجزات شرطًا أساسيًّا من أجل التقديس، أي ضم الشخص إلى قائمة القديسين بعد وفاته.

فالمسيحية كما يراها هيجل هي الدين الذي يكشف فيه الإله عن نفسه تمامًا على ما هو عليه، أي بوصفه روحًا عينيًّا بحيث تظهر طبيعته كاملة، فالله هنا هو الروح العيني وفقًا للحظات الفكرة الشاملة:

  • الكلي ينشطر في الجزئي «مملكة الأب»: فبما أن الله هو في ذاته فكرة شاملة فإن لهذه الفكرة ثلاثة جوانب:
  • الله بما أنه كلي فهو الأب.
  • الكلي يخرج الجزئي، بمعنى أن الله الأب يخرج الابن.
  • الجزئي يعود إلى الكلي، وهو بذلك يصبح الفردي؛ بمعنى أن الله هو الروح القدس.

وعلى الرغم من أن الفكرة تتضمن ثلاث لحظات؛ فإنها مع ذلك فكرة واحدة لا تنقسم؛ لأن كل لحظة هي الفكرة كلها، ففي عقيدة التثليث الله واحد لا ينقسم، ومع ذلك فالله ثلاثة أشخاص.

  • الجزئي يعود ويتحد من جديد مع الكلي في الفردي «مملكة الابن»: إذ إن خلق العالم يكمن في طبيعة الله نفسه، فالعالم هو آخر الله، بمعنى أن الكلي يسمح للجزئي أن يخرج منه وأن يكون مستقلًا وحرًّا، ومن هنا تظهر القسمة والانفصال بين الكلي والجزئي التي تتجلى في التباعد بين الله والعالم، ويتمثل هذا التباعد عند الإنسان في فكرة السقوط باعتبار أن الإنسان جزء من الطبيعة، فالإنسان بوصفه روحًا جزئية يتميز بالضرورة عن الروح الكلي التي هي الله ويبتعد عنها، فالجزئي والتناهي الخاص بالإنسان هما العاملان المؤديان إلى أن يفقد الإنسان اتحاده مع الله.

وهذا الابتعاد يتطلب بالضرورة المصالحة والتوفيق، فلا بد للإنسان أن يعود إلى الله، ويجري هذا التوفيق بعودة الجزئي إلى الكلي في لحظة الفردية التي تظهر في الدين المسيحي من خلال عقيدة التجسيد وموت المسيح وقيامه وصعوده، فالله ليس مجردًا كليًّا، ولكنه يخرج إلى الجزئي ويدخل العالم المتناهي، ويصبح حيًّا فيذوق الموت، لكنه يقوم من الموت مرة ثانية ويصعد إلى الأب.

ج- الفردي والكلي هو الفكرة المنطقية «مملكة الروح»: أصبح الله والإنسان شيئًا واحدًا، وتتمثل وحدتهما في أن روح الله توجد في الإنسان، لا الإنسان بوصفه إنسانًا وإنما بكونه في جماعة من الناس في الكنيسة، فالروح القدس يوجد بالفعل في كنيسة الله، لأن الكنيسة هي من ناحية روح الله الخالص، ومن ناحية أخرى هي موجودة وجودًا فعليًّا في العالم فهي مملكة الله على الأرض.

أما في الديانة الإسلامية فلعلّ معجزة الإسراء والمعراج كفيلة بأن تكون من بين أكبر معجزات النبي محمد، والإسراء هو عندما أسرى الله تعالى بنبيّه محمد ليلًا في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب من مكة إلى المسجد الأقصى راكبًا على دابة تُدعى «البراق» صحبهُ جبريل، فنزل هناك وصلى بالأنبياء إمامًا وربط البراق بحلقة باب المسجد، أما المِعراج فهو صعود النبي محمد إلى السماء العليا، وقد ذكر القرآن الكريم حادثة الإسراء صراحة في سورة الإسراء، حين قال:«سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير» (سورة الإسراء: 1).

بينما لم تذكر آيات المِعراج في القرآن الكريم صراحة، بل يُفهم منها وهي: «والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى. علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلىثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنىفأوحى إلى عبده ما أوحى» (سورة النجم: 1- 10).

وقد جاءت تفاصيل معجزة المِعراج في صحيح البخاري – كتاب الصلاة- عن حديث أبي ذر أن رسول الله (ﷺ) قال: «فُرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثمّ غسلهُ بماء زمزم، ثمّ جاء بطست من ذهب ممتلئ حِكمةً وإيمانًا فأفرغهُ في صدري ثمّ أطبقه، ثمّ أخذ بيدي فعرج بي إلى السماءِ الدنيا (…) ثمّ انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي. ثم أُدخِلتُ الجنّة، فإذا فيها حبايلُ اللؤلؤِ، وإذا تُرابُها المِسك» (صحيح البخاري).

ملخص قصة معجزة المِعراج هي: أن النبي محمد عرج به إلى السماء الدنيا، فرأى فيها آدم، ورأى أرواح السعداء عن يمينه، والأشقياء عن شماله، ثم إلى الثانية، فرأى فيها عيسى ويحيى، ثم إلى السماء الثالثة فرأى فيها يوسف، ثم إلى الرابعة فرأى فيها إدريس، ثم إلى الخامسة فرأى فيها هارون، ثم إلى السماء السادسة فرأى فيها موسى فلما جاوزه بكى، فقيل له ما يبكيك؟ قال أبكي أن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، ثم عرج به إلى السماء السابعة فلقي فيها إبراهيم، ثم إلى سدرة المنتهى، ثم رفع إلى البيت المعمور، فرأى هناك جبريل في صورته له 600 جناح، وهناك كلمه ربه وفرض عليه وعلى أمته الصلاة، ثم أُدخل الجنة.

عندما نمعن في هذه المعجزة نرى أن هناك تشابهًا كبيرًا بينها وبين مثيلاتها في الديانات الأخرى، فمثلًا نرى في المعراج الزرادشتي الذي جاء في كتاب «أردا فيراف»، وهو نص ديني من العصر الساساني، ويصف رحلة في المنام قام بها شخص زرادشتي يسمى القديس فيراف، الذي اختير لرحلة إلى السماء بسبب استقامته وصلاحه، ليرى العالم الآخر ويخبر المؤمنين عنه، بدأ معِراج فيراف بأن أتته روح القديس ساروش بصحبة الملاك أدار ليأخذاه في رحلة إلى السماوات، ومرّ بسكان السماء وشاهد حياتهم الأبدية المُنعَّمة. كما أن الأعمال الحسنة للشخص تتجسد في هيئة فتاة جميلة، بينما تأتيه أعماله الشريرة في صورة عجوز قبيحة شمطاء، وواصل فيراف الارتقاء في السماء حتى بلغ الإله أهورامزدا خالق الكون ومصدر ضيائه، وتحدث إليه الإله وطلب منه العودة إلى الأرض كرسول منه، يخبر الناس بما رأى وسمع في السماء، ويدعوهم لعبادته والصلاة له.

وفي التوراة نرى الرجل الصالح أخنوخ الذي عاش في معية الرب حتى أصعده إليه ليعيش في رحاب السماء كما يذكر العهد القديم، فجاء في سفر التكوين: «وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ» (سفر التكوين، 5: 24). وفي الرسالة إلى العبرانيين بالعهد الجديد جاء فيها أن: «بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ. إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى اللهَ» (الرسالة إلى العبرانيين، 11: 5).

أما صعود أخنوخ فقد جاء في سفر أخنوخ التي هي من الأسفار غير القانونية من مخطوطات قمران البحر الميت المسمى بـ«التوراة – كتابات ما بين العهدين»، وجاء فيها: «ولما تكلمت مع ولدي، دعاني الرجلان وأخذاني على أجنحتهما. وحملاني إلى السماء الأولى ووضعاني هناك. وجعلا سادة أنظمة النجوم يأتون أمامي (…) وقادني هذان الرجلان ووضعاني في السماء الثانية. وأرياني سجناء محفوظين لحساب عظيم. وهناك رأيت ملائكة مدانين يبكون، وقلت للرجلين اللذين كانا معي: لماذا هؤلاء معذبون؟ وأجابني: هؤلاء مرتدون على الرب، لا يسمعون صوت الرب بل انتصحوا من إرادتهم الخاصة (…) وقادني الرجلان من هناك وأصعداني إلى السماء الثالثة، ووضعاني في وسط الجنة (…) وخطفني الرجلان من هناك وحملاني إلى السماء الرابعة، [ثم الخامسة، ثم السادسة ثم السابعة] هناك رأيت نورًا عظيمًا، وكافة كتائب النار للامتجسدين ورؤساء الملائكة، والملائكة، والأوفانيم الذين كانوا ينتصبون ساطعين، وخفت. وقادني الرجلان إلى وسطهم وقالا لي: تشجع يا أخنوخ ولا تخف! وأرياني من بعيد الرب جالسًا على عرشه (…) وسقطت ووجهي إلى الأرض، وعبدت الرب» (التوراة: كتابات ما بين العهدين).

ذهب شلاير ماخر إلى أن المعجزة ما هي إلاّ ظاهرة دينية بحتة متصلة باللامتناهي دون أن يكون لها علاقة مباشرة بالطبيعة المتناهية التي يُعبّر عنها قانون فيزيقي، وهي إذ تظهر بصفتها موجهة لفرد أو مجموعة من الأفراد، فإنها ليست إنجازًا إنسانيًّا بالمرة، بل هي هبة من الله الغني لمن يحتاجها، بينما يُصور لنا القديس أوغسطين المعجزة بأنها لا تكون خارقة للطبيعة، بل تكون خارقة لما نعرفه عن الطبيعة، وحجته في ذلك أن الله لا يفعل شيئًا ضد الطبيعة، ولا ينقض القوانين التي رتّبها.

في حين اعترض كانط اعتراضًا قوية ضد الإيمان بالمعجزات، بوصفها خطرًا يهدد سلامة القانون الأخلاقي. بينما قدّم لنا هيجل «حياة يسوع» بدون معجزات، رغم محوريتها في النصوص الإنجيلية.

أما هيوم فقد حدد المعجزة بأنها: انحراف للطبيعة مستحيل الحدوث، ولم نر في التاريخ بأسره معجزة حظيت بتأييد أناس كانوا على قدر من رجاحة العقل، وإزاء بعض الروايات التاريخية التي تقص حدوث المعجزات يجد هيوم نفسه بين أمرين: أن يشك في أقوال الرواة الذين لم يقم دليل على صدقهم وضبط أقوالهم، ولا يوجد مانع من أن يكونوا قد انخدعوا وهيئ إليهم أو شبه لهم، أو أن يؤمن بأن قوانين الطبيعة قد انحرفت، ولا شك أن من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، على فيلسوف مثل هيوم أن يرى في انحراف قوانين الطبيعة أمرًا أقل إعجازًا من انخداع الرواة، ومن ثم فإن من الصعب عليه أن يقبل القول بالمعجزات.

وبناءً على ما سبق يمكن القول: إن الإيمان بالمعجزات ليس ضرورة عقائدية، كما هو ضرورة الإيمان بالنبوة كون أن النبوة تتعدى حدود الذهن البشري، وهي من الموضوعات اللاهوتية ولا تدرس إلاّ بمبادئ الوحي، في حين أن المعجزة موضوع فلسفي صرف يمكن تصديقها أو تكذيبها، وما يُستشهد به عادة من معجزات فإنها تقع في ملتقى الطرق كما يقول روسو في الصحاري، في الغرف المغلقة، في هذه الظروف يسهل التحكم في عقول عدد قليل من المشاهدين المستعدين سلفًا لتصديق أي حادث.

كما أن الناس تعودوا منذ القِدم على تسمية كل عمل يجهلونه عملًا إلهيًّا، ويؤمنون بأن قدرة الله لا تظهر إلا عندما تخرق قوانين الطبيعة، وتسمي العامة عجائب الطبيعة أفعال الله أو معجزات تعبيرًا عن تقواهم، وجهلًا منهم بعلوم الطبيعة وبالعلل الطبيعية، وتقديسًا منهم لما يجهلونه أو يعجبون به، ولا تتصور عظمة الله إلا عندما تقهر قوانين الطبيعة.

والحقيقة أن نظام الطبيعة ثابت لا يتغير، فلو حدث شيء مخالف لهذه القوانين فإن الله يناقض قوانينه التي وضعها وطبيعته وهذا أمرٌ مستحيل، وبهذا تكون المعجزة عملًا من أعمال الطبيعة نجهل عللها ولا نستطيع إدراكها بالعقل في زمن حدوثها، وإذا كانت المعجزة لا تخالف قوانين الطبيعة، بل فقط الفهم البشري، فإن المهمة التي تقع على العقل الإنساني هي التحرر من جهله وقصور عقله، كون أن الإيمان بخوارق العادات والكرامات والمعجزات لا تشيع إلا بين ذوي العقول ذات الطابع الأسطوري وهذا ما أكدته الدراسات الأنثروبولوجية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد