إن الإنسانية في أسمى معاني قوتها تتجلى في قيمة أساسية رسخها الله سبحانه وتعالى أساسًا لعلاقته بالبشر منذ أن خلق آدم إلى أن يسدل الستار على تلك الحياة المؤقتة في الدنيا، ونبدأ نحن البشر رحلتنا الطويلة نحو العالم الآخر حيث لا مكان لتلك القيمة الغالية.

تلك القيمة هي قيمة العفو عند المقدرة، والتي أصبحنا في مجتمعاتنا المعاصرة التي تبدلت فيها القيم واختلطت فيها المفاهيم، نضعها ضمن ما يسمى بقيم الضعف والعجز.

فبالعودة إلى بدايات وجودنا في هذا الكون نجد أن الله سبحانه وتعالى قد جعل تلك القيمة هي أول القوانين الحاكمة لعلاقته بالبشر.

فبعد أن استسلمت نفس آدم البشرية الضعيفة بطبعها لهمسات الشيطان وما تبع ذلك من صدور الحكم الإلهي بنزوله وزوجه من الجنة إلى الأرض، كعقاب من الله للجنس البشري عن تلك الخطيئة، كان أول طلب عفو في التاريخ الإنساني من آدم، وكانت أول توبة يعرفها الإنسان وتلاقي مبدأ القبول من الله.

فما منع الله – سبحانه وتعالى – إذن وهو من يمتلك القدرة المطلقة في هذا الكون بلا شريك أو منازع أن يستخدمها ضد ذلك العبد المخالف للأمر الإلهي بعدم الاقتراب من الشجرة.

مؤكد أنه ما من شيء قادر على أن يمنعه حاشاه – سبحانه وتعالى – ولكن لنتخيل لو غابت قيمة العفو من تلك العلاقة في ظل وجود تلك القدرة الإلهية اللا محدودة، ما كان للحياة الإنسانية أن تستمر بالطبع.

ولكن لأن الذات الإلهية قد وصلت إلى درجة من درجات السمو التي لم يصل إليها أحد قط، فبالطبع تبع هذا السمو في المقابل تدنٍ منطقي لقيمة المخلوق وبالتالي فما من تأثير يذكر لهذا المخلوق بالمقارنة مع الخالق، فكيف إذن لهذا الخالق العظيم – جل وعلا – أن ينشغل بالانتقام من ذلك المخلوق المتدني، وهذا ما لخصه النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – عندما قال: «لو أن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى فيها كافرًا شربة ماء».

ومن هنا ظهرت قيمة العفو المقترن بالمقدرة، فإن غابت المقدرة ربما شابت تلك القيمة شبهة العجز والرضوخ لواقع موازين القوى ولذلك جاء في الإسلام تفضيل الشخص القوي الذي يملك القدرة على انتزاع حقه على ذلك الضعيف الذي لا يمتلك تلك القدرة.

فالله – سبحانه وتعالى – أراد للعفو أن يكون سمة حاكمة بينه وبين خلقه وهو من يملك كل شيء، وتسمى باسمه العظيم العفو القدير حتى يكون ذلك نموذجًا يوحي للبشر بأن الجمع بين المقدرة والعفو هو من شيم العظماء ولكي يحثهم على محاولة الارتقاء لتلك المنزلة العظيمة، مع غياب وجه المقارنة بالطبع في المقدرة بين الخالق – سبحانه وتعالى – المتصف بالكمال، وبين الإنسان محدود القدرة والتفكير.

وبالنظر إلى حياة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – نجد تلك القيمة وقد تجلت واضحة للعيان في واحد من أهم المواقف التي عاشتها الدعوة الإسلامية يوم فتح مكة، عندما عاد من كانوا قبل عقد من الزمان شرذمة من الرجال وعددًا قليلًا من النساء والعبيد المستضعفين الذين خرجوا فارين بدينهم، متتبعين خطى صاحب دعوتهم محمد – صلى الله عليه وسلم – وهم قوة لا قبل لأحد بها، نفوسهم تتوق للثأر ممن عذبهم وأجبرهم على ترك مدينتهم وخاض ضدهم الحروب وقتل من أبنائهم وإخوانهم.

ولكن هنا ظهر السمو الإنساني الذي لطالما تمتع به النبي محمد، فعلى الرغم من امتلاكه القدرة المطلقة وحرية التصرف مع مشركي مكة، إلا أنه قد سن قانونًا سيظل نموذجًا خالدًا في التاريخ الإنساني عندما وقف وأمامه هؤلاء القتلة المتجبرون وقد انحنت رؤوسهم وغطى جباههم وحل الهزيمة النفسية والعسكرية، منتظرين حكم النبي فيهم، فإذا به في لحظة تخطى فيها رقي نفسه – صلى الله عليه وسلم – كل المعاني والقيم وثوابت المعقول التي عرفتها الإنسانية من قبل يقول لهم وببساطة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

بل إنه وبحكم كونه أيضًا سياسيًا محنكًا، يدرك جيدًا متطلبات كل مرحلة والشخصيات المناسبة لكل موقع عسكري أو سياسي، فقد أقدم أيضًا على تنحية من استشعر أن روح الانتقام قد طغت في نفسه على روح السلام من الصحابة، وقد ظهر ذلك في استبعاده لسعد بن عبادة عندما سمعه يتوعد أبا سفيان بن حرب قائلًا: «إن اليوم يوم الملحمة»، فقاطعه النبي مطمئنًا للطرف المهزوم، ممثلًا في أبي سفيان بأن اليوم هو يوم «المرحمة».

وقليلون هم من القادة من يجرؤون على اتخاذ قرار مماثل في لحظة خطيرة ومفصلية كتلك التي عاشتها الدعوة الإسلامية.

لكن إحساس النبي بعظم رسالته وما وصل إليه ومعه المسلمون من قدرة أحط من قيمة المشركين في نظره فلم يعد يشعر أنهم ذوو قيمة تستحق الاهتمام حتى ولو بالثأر منهم، ووضعه أمام مسئولية عظيمة بوصفه قائدًا ألا يسمح بانجرار دعوته القائمة على الأمر بالمعروف إلى التركيز على الانتقام من الماضي.

وعلى الرغم من الأثر النبيل الذي تركه ذلك الإعلان النبوي في نفوس ذلك الرعيل الأول من الصحابة، إلا أن الجيل التالي من قادة الدولة الإسلامية قد غابت عن أعينهم في بعض فصول الصراع على المكاسب السياسية والدنيوية أهمية تلك القيمة، مما ولد صراعًا مدمرًا ترك تبعات كان لها أبلغ الأثر في اندثار تلك الدولة التي قامت في الأساس على أكتاف دعوة كانت في جوهرها بمثابة ثورة إنسانية قبل أن تكون دينية أو سياسية.

فنجد على سبيل المثال أن قيام دولة بني العباس عام 132 من الهجرة قد تزامن مع حالة من النشوة الممزوجة بالكثير من الدماء، إذ إن الحكام الجدد أبوا إلا أن يمحوا أي أثر لأسلافهم من بني أمية حتى وإن كان ثمن ذلك نهرًا من الدماء استمر أعوامًا، لم يفرق فيه السادة الجدد بين شيخ وامرأة وطفل متجاهلين تمامًا قيمة العفو ومكتفين بميزة المقدرة.

وليس هناك من سفير يمثل ذلك التوجه السائد عند العباسيين أفضل من علي العباسي القائد الذي فتح دمشق وقام بنبش قبور خلفاء بني أمية والتمثيل بما تبقى من رفاتهم طلبًا للثأر منهم حتى بعد موتهم.

نموذج آخر فريد من نوعه في التاريخ الإنساني جسده السيد المسيح بإتقان عندما وقف على جبل الهيكل في القدس ملقيًا عظته الشهيرة التي خلدها إنجيل متَّى فقال: «لا تقاوموا الشر بمثله، بل من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الخد الآخر، أحبوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا معاملة الذين يبغضونكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم».

البعض ينظر لذلك على أنه مثالية مطلقة غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع، ولكن الحقيقة عكس ذلك؛ فالسيد المسيح كان مدركًا تمامًا مغزى كل كلمة قالها ومتفهمًا طبيعة النفس البشرية الدنيئة.

ولماذا نذهب بعيدًا ولدينا نموذج مشابه في القرآن بالتحديد في سورة المائدة «لئن بسطت إليَّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين… فطوعتْ له نفسُه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين».

السيد المسيح كان مدركًا أن كل إنسان بداخله قابيل، تلك الشخصية السيكوباتية التي ترفض الاطمئنان لنوايا الآخرين، ولذلك أراد نزع نواة سوء الظن تلك من نفوس شعبه.

ولكن الغريب في الأمر أنه وبعد عدة قرون، وفي نفس المكان ارتكب من ادعوا أنهم أتباع تعاليمه وحماة كنيسته عكس ذلك تمامًا، فارتكبوا في نفس المكان الذي وعظ فيه المسيح أسلافهم مجزرة مروعة ضد سكان القدس من المسلمين وأتباع المذاهب المسيحية الأخرى إبان اقتحامهم المدينة عام 1099م، وصفحات التاريخ الإنساني لن تنسى أبدًا أن المدينة المقدسة التي شهدت بداية دعوة المسيح القائمة على السلام والتسامح والعفو وإعلاء القيم الروحية هي نفسها من فاضت شوارعها بدماء أكثر من سبعين ألفًا من سكان المدينة من المسلمين وأتباع المذاهب المسيحية التي خالفت الكاثوليكية على يد واضعي شارة الصليب من قادة الحملة الصليبية الأولى، وكُتُبُ مؤرخي الغرب ممن شهدوا تلك المجزرة أمثال فوشيه الشاتري، ووليم الصوري، وغيرهم تفيض وصفًا لبشاعتها.

تلك لحظة أخرى ظهر فيها قابيل الكامن في نفوس قادة الحملة الصليبية الأولى مع نشوة النصر بينما ذهبت عظة المسيح في تلك اللحظة أدراج الرياح.

التاريخ أيضًا يحفل بالكثير من الساسة وقادة الفكر الذين ورغم اختلاف توجهاتهم الدينية وظروف تكوينهم الثقافي والنفسي، قد ضربوا أروع الأمثلة في القدرة على الارتفاع بقراراتهم فوق حدود النفس البشرية الضيقة.

وليس هناك مثال أروع من مانديلا؛ ذلك الشخص الذي قاسى السجن وقضى في غياباته أكثر من ربع قرن من الزمان وعمل أبناء شعبه قرونًا على أنهم في مرتبة أدنى من البشر، ومع ذلك عندما امتلك زمام الأمور بين يديه، ووسط صياح أولئك المنادين بالثأر والانتقام والقتل، والمتلهفين لرؤية برك الدماء البيضاء تجري على أرض جنوب أفريقيا، وقف مانديلا في نفس قاعة البرلمان التي سنت فيها قوانين الفصل العنصري من قبل ليفاجئ العالم أجمع معلنًا عن تشكيلة حكومته والتي ضمت بين صفوفها رجال النظام السابق وعلى رأسهم غريمه ورئيس جنوب أفريقيا السابق دوكليرك الذي شغل منصب نائب الرئيس، داعيًا إلى إحلال السلام وتشكيل لجنة للمصالحة الوطنية الشاملة.

لقد نجح مانديلا في كسر القيود النفسية التي تحبس كل فرد من أبناء شعبه داخل دائرة مفرغة من الرغبة في الانتقام والثأر والعنف والماضي المظلم الممتلئ بالظلم والقهر، ولم يكن ذلك ليحدث لولا أنه قد أدرك قيمة العفو في تلك اللحظة بالذات.

لحظة الانتصار، وبدأ بنفسه أولًا عندما قرر العفو عن جلاديه.

فهل نستطيع نحن أيضًا في منطقتنا التي باتت أنهارها تفيض دمًا أن نصنع نموذجًا مشابهًا؟

من المؤكد أن نيران المدافع ستصمت يومًا ما، لكن نيران الثأر في صدور الملايين ممن عاشوا محنة اللجوء والتشريد والاغتصاب وفقدان الأهل لن تصمت أبدًا، وسنكون أمام جيل كامل بحاجة إلى مرحلة من إعادة التأهيل النفسي للتخلص من تلك الندوب التي خلفتها سنوات الحروب الطويلة في ذاكرته الإنسانية.

إن البشرية بحاجة اليوم إلى لجنة مصالحة عالمية تخمد نار تلك الصراعات الدينية والثقافية والسياسية والعسكرية والاجتماعية التي باتت تمزق الجنس البشري.

إن الإحساس بالمقدرة والقوة بعد الضعف والظلم يولد في النفوس القوية فقط إحساسًا بالسمو الروحي، ويبعث لدى أصحابه طاقة كبيرة من الرغبة في العفو والصفح، على العكس تمامًا فالنفوس الضعيفة هي من تسعى للثأر في لحظة الانتصار.

فهؤلاء الذين استطاعوا الانتصار على أنفسهم هم فقط من يدخلون التاريخ وتسجل أسماؤهم في سطور العظماء، أما الآخرون فليس لهم نصيب إلا ذلك الانتصار الزائف الذي ارتضوا به، فقد قبلوا بأن يكونوا مجرد بشر عاديين وتملكتهم روح قابيل فأعمت بصيرتهم عن سلم من المجد كان من الممكن أن ينالوا نصيبًا من شرف ارتقائه.

إن الإنسانية في انتظار من ينبش في تراث محمد ويسوع ومانديلا وغيرهم لعله يخرجنا من المأزق الذي نعيشه الآن، ذلك المأزق المتمثل في أن من يملكون بيدهم زمام المبادرة والمقدرة لم يستطيعوا التحرر من قيود أنفسهم وإعلاء مبدأ العفو، فامتلاك المقدرة على التصرف دون امتلاك القدرة والاستعداد النفسي للعفو هو مأزق الإنسانية الكبير، والسبب الرئيس لكل صراعتها في الماضي والحاضر وسيكون كذلك في المستقبل إن لم نسعَ لإيجاد تلك الحلقة المفقودة بين المقدرة والعفو.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد