في أعقاب موجة التسونامي التي لم يشهد العالم مثيلًا لها في 2004، والتي اجتاحت في آسيا من ضمن ما اجتاحته «جزر المالديف»، اختلف وضع تلك الجزر كثيرًا عما كانت قبل الكارثة الطبيعية.

فالمالديف كانت عبارة عن شواطئ يجلس عليها المالديفيون أصحاب الأرض، وعمال الشاطئ، والساحليون، يشوون أسماكهم بعد تجفيفها، مكدرين بذلك صفو المنتجعات المملوكة للشركات متعددة الجنسيات، والتي تمثل الخيار الأمثل لسياح الرفاهية للاستجمام على جزر ذات طبيعة خلابة وظهير بحري، وحياة برية، في تجمّع نادر لكل عناصر الجمال.

ظل وجود المالديفيين الأصليين على الشاطئ قبل التسونامي، شوكة في حلق الرأسمالية العالمية، وتحديدًا في ظل حكم استمر منذ عام 1978 بين أساور «جيوم»، الحاكم الذي قمع المعارضة المالديفية بشتى الوسائل.

حسنًا، جاء التسونامي، ليزيل كل البنى التحتية، وليقتل مئات الصيادين ويدمر المنتجعات والفنادق، ويزيل ملامح المالديف تمامًا.
وهنا آن أوان الخطط الجهنّمية، والدعاية الإعلامية.

كان هاجس الحكومة الأول هو التحول إلى منطقة استثمار سياحي أجنبي، وذلك ظنًا منهم أن ذلك سيرضي أنوف العالم ويجذبه إلى الجزر التي لا زال أهلها يبحثون عن جثث ذويهم تحت الأرض أو البحر!

كان هدف الحكومة المالديفية الخفيّ هو إبعاد كل من هو مالديفي عن الشاطئ، عملية نزع عرقي ناعمة، مطلوب أن تكون شواطئ المالديف لغير أهله، مطلوب أن تزاح قاذورات هؤلاء المتعفنين وأسماكهم من الشاطئ، كي يتناول أثرياء العالم هذه الأسماك بعدما تقدم في أطباق شهية من طراز «فروت ديلاماري» الإيطالية، أو خلائط الجمبري والكاليماري، في حساء سمكيّ.

استغلت الحكومة المالديفية عجز الأهالي وفقرهم، وسعيهم وراء الحياة إلى اليوم التالي فحسب، كي تطلق برنامجها الخبيث: «الجزر الآمنة».
روجت الحكومة بإعلامها وصحفها لإقناع السكان الأصليين من سكان الجزر المالديفية بالهروب إلى 5 جزر أسمتها بـ«الجزر الآمنة»، بذريعة أن تلك الجزر غير معرضة لموجات أخرى من التسونامي الذي أهلك الحرث والنسل، قد تكون هذه فكرة غير معقولة بالنسبة إليك، لكن إعلامًا وحكومة واستثمارات وأموال ورأي عام يتشكل عنوة، قد يجعل تركك لأرضك وشرائك للوهم أمرًا مستساغًا، خصوصًا في ظل مستوى اجتماعي وتعليمي متدنّ، محا التسونامي ما تبقى من أمل فيه بممحاته.

وبالفعل، هاجر جل السكان الأصليين للمالديف إلى الجزر الخمس «الآمنة» هربًا من كابوس التسونامي، ولكنهم وجدوا أن أموال المساعدات التي تأتي من شتى أنحاء العالم لا تصل إليهم، بل على العكس، إنها تذهب إلى أماكن مجهولة، اكتشفوا فيما بعد أنها خصصت لبناء إمبراطورية المالديف السياحية في الجزر التي يفترض أن تكون «غير آمنة» قياسًا إلى أن جزرهم هي الآمنة!

وهكذا، لا يمكنك وأنت تقضي عطلتك في المالديف، أن ترى مواطنًا مالديفيًا أصيلًا يتجول في تلك الشواطئ، فالجزر -شبه كاملة- تخضع الآن لعملية إحلال وتبديل عرقي، ربما يكون عدد الأسود والغزلان في تلك الجزر الآن، أكبر من عدد المالديفيين!

تذكر هذا دومًا وأنت ترى المناظر الخلابة لصور جزر المالديف!
تذكر كمّ الدماء والفقر والجوع الذي يقبع وراء كل شعبة مرجانية تتأسى أنت بها على بعد آلاف الكيلومترات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد