تعودت أثناء القراءة على الاستعانة بكتابٍ ساخرٍ بعيدًا عن الرواية والقصة القصيرة، أو قراءة منتجٍ أدبي من أعمال الرعب والفانتازيا، أو الكتابات الخفيفة؛ أعتبر هذا السلوك نوعًا من الهدنة قليلًا وأسميه «استراحة قارئ» أو فرصة لالتقاط الأنفاس، من خلال التحليق بعيدًا – ولو قليلًا – عن الواقع الصعب الذي نعيشه.

والحقيقة أنني بعد خوض هذه التجربة اللطيفة، وجدتني أعود أكثر إقبالًا على قراءة روايات كبار الكتاب المصريين، والكتب المتخصصة إلى حدٍ ما في الصحافة أو السياسة، أجد هذه الطريقة تساعدني على التنوع فى القراءات على مدار الشهر، لا سيما أنّ مصر شهدت هذا العام صيفًا مزدحمًا بالإصدارات الروائية المتميزة لكبار الكتاب الذين تصدروا قوائم «البيست سيلر»؛ أبرزهم: محمد المنسى قنديل، إبراهيم عيسى، هشام الخشن، أحمد القرملاوي، ريم البسيوني، أحمد مراد.

هذه المرة، بدأت قراءة كتابٍ حصلت عليه من «فرشة كتب» من تلك التي تنتشر «وسط البلد» في العاصمة المصرية القاهرة، الكتاب يحمل عنوانًا جذّابًا إلى حدٍ ما هو «مزاج القاهرة» للكاتب والروائي المصري أحمد مهنى الذي قدمنا له هنا فى منصتنا «ساسة بوست» قراءةً سريعةً لروايته الفاتنة «سوف أحكي عنك» الصادرة أيضًا عن دار «دوّن».

بدايةً ينتمي هذا المؤَلف إلى نوعٍ من الكتابات الاجتماعية الخفيفة التي تعتمد على اللغة القريبة من الفئة الشبابية، أو الكتابات التي تنتشر على مواقع «السوشيال ميديا»، ولكن بشكل أكثر عمقًا قليلًا، هذا كتاب يُمكنه قراءته في وسائل المواصلات العامة؛ الميكروباصات، المترو، التاكسي، أو فى الشغل، أو فى المطعم أثناء تناول أية وجبةٍ.

لكن هذا ليس كل شيء، فكل فصلٍ في الكتاب يتحدث عن تجربةٍ قد تكون شخصيةً للكاتب أحمد مهنى، يقدمها بطريقةٍ سهلةٍ سلسةٍ وكوميديةٍ أحيانًا، ولكن هذه التجربة تجرّك إلى قضيةٍ أهمٍ وأخطرٍ قد يعانيها الشباب المصري في وقتنا الحاضر؛ البطالة، الحيرة في الحب، العزلة الاجتماعية داخل الأسرة الواحدة… وغيرها.

مثلًا في الفصل الأول الذي حمل عنوان «خدمة العملاء» يتحدث الكاتب أحمد مهنى عن الإضافات التي توضع للطعام؛ المايونيز، المستردة، الكاتشب، ويحكي عن موقفٍ له مع أحد موظفي خدمة العملاء عندما اشترط عليه أنه لن يستلم «الأوردر» إلا إذا كان به «كاتشب» إضافي.

ومن خلال هذه الكتابة اللطيفة، ينتقل الكاتب في قفزةٍ ذكيةٍ للحديث عن معاناة العاملين في وظيفة «خدمة العملاء»، وكيف يتحملون كثيرًا من «سخافات» العملاء في سبيل إرضائهم ومنعًا لقطع عيشهم؟.. الكتابة في هذا الفصل كانت صادقةً وشارحةً لمعاناة هذه الفئة، ما ساعد «مهنى» على ذلك أنه عمل لمدة شهرين في هذه الوظيفة، وبالتالي جاءت الكتابة صادقةً وواقعيةً قريبةً من القارئ، وبعيدة عن التكلف والتصنع.

في الفصل الخاص بـ«ثلاث عشرينات» يتحدث الكاتب عن مراحل العمر بالنسبة للمصريين؛ العشرين الأولى يقضيها الفرد في التعليم والتربية وتلقي التعليمات الصارمة من الوالدين، وربما يقبل الفرد فيها ما لا يطيقه، العشرين الثانية يقضيها الشخص في البحث عن الطرف الآخر الذي سيكمل معك الحياة، والعشرين الثالثة في الإنجاب وتربية الأطفال.. فصل يقدم نظرةً بانوراميةً فلسفيةً بطريقةٍ سلسةٍ عن حياة الإنسان.

كما ينتقد هذا الفصل التدخل في خصوصيات الأشخاص، والأشخاص المتطفلين أصحاب الأسئلة غير اللائقة مثل: اشتغلت؟ لقيت شقة؟ تمليك ولا إيجار؟ لقيت العروسة؟ وغيرها من الأسئلة المستفزة.

في الفصل الجميل الذي حمل عنوان: «فكرة الدين» ينقل لنا الكاتب حيرة صديقٍ له فى العمل سأله يومًا: هل المسيحي المتدين أفضل أم المسيحي غير المتدين؟.. هذا السؤال الذي قد يبدو بسيطًا، إلا أنّ «مهنى» نقلنا – وفى أسلوبٍ سلسٍ- إلى مناقشة جدلية التعامل مع الأشخاص: هل تكون على أساس تدينهم أم لا؟ وهكذا يناقش هذه الفكرة طوال الفصل.

«الجواز مش للجنس فقط» فصل خفيف جدًا، يذكر لك عددًا من الأسباب التي تدفعك لاتخاذ قرار الزواج، هذه الأسباب تمثل مواقف قد تكون رأيتها مثلا في المسلسلات التركية، ولكنها المواقف التي تحقق المتعة الحقيقية من الزواج، وليس فقط لتكوين الأسرة، رغم أنه هدف مقبول ومشروع، ولكنه ليس كافيًا لاستمرار هذا المشروع المهم جدًا في الحياة.

تقديم قراءةٍ فلسفيةٍ أحيانًا في لغةٍ سهلةٍ سلسةٍ ومناقشةٍ فكرةٍ جادةٍ، يكون مدخلها موقف أو مناقشة عادية، هذه صفات تسيطر على باقي فصول الكتاب، وأبرزها: «ماذا خسرت الثورة»، «مقاومة المقاومة»، «حتى لا يقطع اللبن»، «وهم العودة والانتماء»، وغيرها من فصول هذا الكتاب «الخفيف» الشيق.

الخلاصة.. ينتمي كتاب «مزاج القاهرة» إلى «أدب الاعترافات»، وصدرت طبعته الأولى يناير 2012، وطبعته العاشرة فبراير 2015، عن دار «دوّن» التى تهتم بتقديم الأعمال الأدبية لعددٍ كبيرٍ من الشباب، وتجد الغالبية منها رواجًا في سوق الكتاب.

نشر الروائي الشاب أحمد مهنى مجموعته القصصية الأولى «اغتراب» عام 2009، وصدر منها أربع طبعات، وشارك فى معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته الأخيرة برواية «ساعتين وداع»، فضلًا عن كتابه «مذكرات الثانية عشرة ليلًا» الصادر عام 2019، وهو حاصل على ماجستير إدارة الأعمال الدولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد