مساهمة الموريسكيين في الهوية و الحضارة المغربية

تختص الذات الحضارية المغربية بأنها ظلت على الدوام متميزة عن الذات المشرقية في العديد من المحددات، فهي أولًا تشكلت من خلال سيرورة تاريخية بطيئة وثابثة، تحكمت فيها تلك الأحداث العظيمة التي عرفها المغرب بدءًا من انفصاله المبكر عن الخلافة بالمشرق، والتي عززت نزوعه نحو الاستقلال وإتباث الذات، وثانيًا تقاطعت معها خصوصيات الجغرافيا، فلقد ظل المغرب على الدوام معبرًا تجاريًا وملتقى للشعوب والحضارات؛ مما جعل الشخصية المغربية منفتحة على كل الأفكار ومهيئة لقبول التنوع الثقافي والحضاري.

ولقد كان لهذه المحددات تأثير عظيم في إغناء الحضارة المغربية حيث يتجسد ذلك في ملامح الحياة اليومية للفرد المغربي فلكل منطقة نموذجها الفريد من العادات والتقاليد والموسيقى والفنون الشعبية؛ مما يعكس تنوع الروافد الحضارية، ويبقى أبرزها الرافد الأندلسي/الموريسكي.

الموريسكيون بين الانعزال والاندماج

صادف حلول الموريسكيين بالمغرب خلال العقود الأولى من القرن 17 فترة عصيبة من تاريخ المغرب، تميزت باندلاع أزمة سياسية خطيرة بعد وفاة السلطان السعدي أحمد المنصور، حيث تصارع خلفاؤه على الحكم، فكان من تداعيات ذلك انقسام البلاد إلى مملكتين، ثم تفاقمت الأوضاع سوءًا مع اشتداد الصراع واتساع أمده الزمني، وتناسلت أزمات جديدة مع ظهور قوى جديدة خاضت غمار الصراع على السلطة تورط فيها المتصوفة ورجالات الزوايا الذين انحرفوا عن مقاصدهم الدينية، وكان ذلك إيذانًا بتفشي الدمار واستفحال الخراب، فكادت الشخصية المغربية أن تضمحل ويزول رسمها على حد قول الناصري في كتابه (الاستقصا).

ولم يكن من السهل على الموريسكيين الاندماج في ظل هذه الأوضاع الضاغطة وهم الذين فروا على أمل الخلاص من الاضطهاد، فقادهم ذلك إلى الانعزال والانطواء مفضلين تكوين تجمعات خاصة بهم تركزت في القسم الشمالي من المغرب تعاملت بنوع من التعالي والاحتقار تجاه المحيط المغربي الذي واجه بدوره الهجرة الموريسكية بنوع من النفور والتشكيك في النوايا، خاصة أن طباع الموريسكيين تأثرت بالثقافة الاسبانية والديانة المسيحية، وهذا راجع إلى سنوات التقية والتخفي التي كان لها وقع سلبي على صفاء عقيدتهم الإسلامية، فارتبطت بهم تسمية نصارى قشتالة، ومما عمق التباعد بين الطرفين تورط الموريسكيين في ترسيخ حالة الفوضى السياسية والاحتراب الأهلي التي شهدها المغرب كصراع جمهوريات الموريسكيين بسلا مع الزاوية (مؤسسة دينية) الدلائية.

ويبقى السؤال الجوهري هو كيف نجح الاندلسيون الموريسكيون في فرض ثقافتهم الخاصة وجعلها النموذج الثقافي المركزي، بينما همشت باقي النماذج الثقافية، ولم تحظ بالاهتمام والتقدير، والجواب يكمن في أن نموذجهم تميز بجاذبيته كونه نتاج حضارة عريقة ومرموقة، إضافة لوجود الإرادة السياسية التي سهلت تفوقه، وهذا الأمر يتضح أثره في سلوكات النخب السياسية منذ عهد المرابطين التي حاولت أن تتميز عن العوام في أسلوب عيشها من خلال محاكاة الأندلسيين في أدق تفاصيل معيشهم اليومي؛ مما يسر للثقافة الموريسكية في أن تتحول إلى ثقافة نخبة ورافد مهم في إغناء الذات الحضارية للمغرب.

التأثير الأندلسي في العامية المغربية

تؤكد العديد من الدراسات التاريخية أن البدايات الأولى لظهور وانتشار العامية المغربية (الدارجة) اقترنت بعصر الدولة المرينية، ففي هذا المرحلة التاريخية سادت اللغة العربية بعد أن نهجت السلطة سياسة التعريب، خاصة في المجال الديني مخالفة توجهات سابقيهم الموحدين الذين مالوا إلى تكريس الأمازيغية كلغة أساسية حتى في الخطب الدينية والآذان.

ولقد تأثرت اللغة العربية المغربية بالطابع الأندلسي الذي أدخل فيها العديد من تراكيبه وخصائصه كما سرب إليها العديد من الكلمات والمصطلحات تنتمي إلى لغات ولهجات عناصر بشرية متنوعة، ويمكن أن نميز في تطور العربية المغربية بمرحلتين، الأولى بدأت مع الهجرات الأندلسية قبل سقوط غرناطة، والثانية بعدها.

ففي المرحلة الأولى انتشرت العامية الأندلسية، خاصة في دوائر النخب السياسية التي كانت تميل للحديث بها، وتميزت بعدة خصائص لا تزال مستعملة لحد الآن في المغرب، ومن أبرزها:

استعمال نون المتكلم بدل همزة المضارعة مثل نمشي أمشي، أو نكتب أكتب.

وصل حرف الجر بالمجرور بعد حذف الياء، مثل فالنهار بدلا عن قول في النهار.

– استعمال أسلوب التصغير وهو من الأمور الشائعة في جميع أنحاء المغرب حتى في زماننا هذا وعلى سبيل المثال كلمة السويقة وهي تصغير كلمة السوق، وجليسة بنطق الجيم معطشة كنطق المصريين لها، وهي تصغير لكلمة جلسة.

ثم عرفت المرحلة الثانية وهي التي وافقت الطرد الموريسكي النهائي خلال عصر السعديين تسرب الكلمات ذات الطابع الإسباني إلى الدارجة المغربية، ومرد ذلك أن أغلب الموريسكيين مع طول خضوعهم للإسبان صاروا يتحدثون بالإسبانية عوضًا عن العربية التي كانت ممنوعة من التداول، لكن هذا لا يعني أنها حالة عامة، فلقد حافظت بعض المجموعات الموريسكية على لغتها الأم، خاصة الفقهاء والعلماء الذين نجحوا في الاندماج داخل دوائر الحكم والفكر بعد هجرتهم إلى المغرب بحكم مؤهلاتهم الفكرية، وفي هذا العصر نشطت حركة للترجمة الواسعة من الإسبانية إلى العربية تسربت من خلال هذه القناة العشرات من الكلمات الإسبانية في مجالات عدة إلى الدارجة المغربية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر من أشهر الكلمات ذات الأصل الإسباني المتداولة لحد الآن في العامية المغربية، منها البابور vapeur (الباخرة) وكشينة cocina (المطبخ) والكيرة guerra (الحرب) والروينة runa (الخراب) والكانا guarra (المزاج) وفالصو falso (الباطل) والمانيرة manera (طريقة).

التأثير الموريسكي الأندلسي في العادات والتقاليد

من الخصائص المميزة للمجتمع المغربي والذي يلاحظه أغلب الزوار هو ذلك التنوع الذي يطبع عاداته وتقاليده فلكل منطقة طابعها المميز وهذا مرده إلى تباين الأصول الإثنية وتأثير الروافد الحضارية التي امتزجت لتشكل في نهاية المطاف ثقافة حضارية مغربية خاصة، ولقد نقل الأندلسيون بعد هجرتهم إلى المغرب العديد من عناصر ثقافتهم التي اندمجت مع أسلوب عيش المغاربة، وخاصة في الحواضر الكبرى فاس الرباط ومدن الشمال المغربي تطوان الشاون، ويكفي للدلالة على ذلك النفوذ القوي للموسيقى الأندلسية التي تصور دائمًا على كونها موسيقى راقية، حيث يخصص لها حيز مهم من جدول البث التلفزي، خاصة في المناسبات الدينية.

وفي مجالات أخرى كفنون الطبخ ترجع أصول العديد من ألوان الوصفات والأكلات الشعبية والراقية إلى الأصل الأندلسي، ومن مميزاتها تنوع ألوانها وكثرة استعمال البهارات، ومرد ذلك إلى تأثير الطبيعة الأندلسية الراقية التي كانت مزيجًا بين الثفافات والحضارات.

ولقد ساعد التدوين في الحفاظ على فنون الطبخ الأندلسي ووصفاته من الاندثار والنسيان، ومن المصادر القيمة في هذا المجال كتاب فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان لابن رزين التجبيتي، ومما يذكر في هذا الصدد بعض الأطباق التي تحضر في المناسبات الدينية والعائلية، كالبسطيلة والتفايا والمروزية والإسفنج (عجين مقلي في الزيت).

ولم يقتصر التأثير الأندلسي فقط في هذا المجال، بل تتخلل عناصره كل تفاصيل الحياة اليومية لتشمل طقوس الاحتفال بالمناسبات الدينية والعائلية من حفلات الزواج والعقيقة والختان، وحتى بعض أنواع اللباس كالسلهام وارتداء المضمة (حزام  ترتديها المرأة ليزين وسطها) واعتمار الشاشية (قلنسوة حمراء).

وعلى الرغم من المحن والمآسي التي كابدها الموريسكيون إبان وجودهم بإسبانيا فلم يفرط هؤلاء في طابعهم المرح وميلهم للهو وتمضية وقت الفراغ ومن الوسائل التي ابتدعوها للتسلية لعب الورق، فبعد أن تم تهجيرهم نقلوها للمغرب حيث لا يزال متفشية في جميع أنحائه محتفظة بالأسماء الاسبانية لأرقامها مثل لاس (رقم 1) وسوطا soldad (الجندي) والراي rey (الملك).

ومن خلال ما سبق يتبين حجم التلاقح الحضاري بين مكونات الشعب المغربي ويتضح حجم المساهمة الفعالة للأندلسيين في بناء الذات الحضارية المغربية وتشكيل هويتها الخاصة والمميزة، حيث  تبلورت ملامحها النهائية أواخر العصر السعدي، ولا يزال العديد من عناصرها حاضرة بقوة في أبسط جزئيات الحياة اليومية للإنسان المغربي حتى وقتنا الحالي.

المصادر:

– الموريسكيون في المغرب، أكاديمية المملكة المغربية.

– الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب، محمد زروق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد