كانت الأفلام الكرتونية في الأيام القليلة الماضية تحمل رسالة تربوية هادفة، بل قد صنفت وسيلةً من وسائل التعليم بالأهداف شأنها شأن القصة المكتوبة. فقد أثبتت الدراسات المقدمة في مجال علم نفس الطفل أن الرسوم المتحركة تشكل نسبة 88% مما يشاهده الأطفال، وأنها تساهم في تكوين شخصية الطفل في مرحلة الطفولة الأولى؛ إذ تفيد الطفل في جوانب عديدة من شخصيته بتلبية حاجياته النفسية، وتساعده في تنمية خياله، وتعمل على تزويده بمعلومات ثقافية وعلمية في مرحلة مبكرة من النمو، كما أنها تساهم بشكل واضح في النمو اللغوي للطفل إذ تدربه على النطق السليم وتثري زاده اللغوي.

قد أسهمت الرسوم المتحركة ولزمن في بناء جيل محب للخير والسلام، وكانت ورغم الظروف الصعبة التي يمر بها أبطالها تربي الأطفال على قيم التسامح والشجاعة والإيثار، وعلى الرغم من أن معظم الرسوم المتحركة المدبلجة في القرن الماضي وبدايات القرن الحالي هي من إنتاج ياباني، فإن الشركة المسؤولة عن دبلجتها إلى اللغة العربية كانت تحرص في دبلجتها على إرساء رسائل أخلاقية ودينية للطفل بحذف المشاهد والعبرات التي تتنافى مع مبادئ مجتمعاتنا العربية المسلمة، وكل ما له تأثير سلبي على النشأة السليمة للطفل.

فقد عُرف برنامج افتح يا سمسم الشهير برسائله التربوية والتعليمية الهادفة، فهو في الأصل برنامج أمريكي اسمه شارع السمسم (Sesame Street) اشترت حقوقه مؤسسة البرامج المشتركة لدول الخليج العربي، وحرصت في اقتباس الفكرة وإنتاجها على ما يتناسب مع مجتمعاتنا وثقافتنا العربية، وما لا يتنافى مع العقيدة الإسلامية الصحيحة.

وحمل المسلسل الإلكتروني الكابتن ماجد رسالة الإصرار وأهمية العمل كفريق، وعلَمت سنديبال الأطفال من جيل الماضي جمالية الترحال والتحدي والمثابرة، وعلَم المسلسل الكرتوني سالي الأطفال معاني الصبر والكفاح.

وكان لهذه الأفلام الكرتونية مواعيد محددة في البرنامج التلفزيوني اليومي، بل كثيرًا ما كان موعدها هو موعد لتجمع كل أفراد العائلة مع أبنائها، فقد كانت تعطي لنا مثلًا للأسرة النموذجية دون إهمال دور أي فرد من أفرادها.

هذا عن هدفها، أما عن عرضها فقد كانت تعرض برسومات جميلة المنظر، حسنة الشكل لا يختلف لباسها ولا أثاثها ولا محيطها عن الأفلام العادية والحياة الواقعية، لا من حيث الشكل ولا الألوان. وحتى شخصياتها الشريرة فيها كانت صورها حسنة. وإن استخدمت الحيوانات كشخصيات في مسلسل كرتوني من باب توسيع خيال الطفل فكانت تجسد تصرفاتها وحياتها بحياة وتصرفات الإنسان، وتحمل القيم ذاتها، كالمسلسل الإلكتروني وادي الأمان الذي يعطي لنا صورة للعائلة النموذجية والكثير من القيم والأخلاق والإنسانية.

قد حرصت إلى جانب كل ما سبق الإشارة إليه، حرصت شركات الدبلجة على تسمية الشخصيات بأسماء عربية وأسماء ذات معنى، فحتى أسمائها كثيرًا ما كانت تحمل رسالة تعليمية .

وإن تحدثنا عن تعزيز الخيال العلمي لدى الطفل نذكر المسلسل الكرتوني كان يا مكان الحياة واحد من أشهر المسلسلات التي علقت في ذاكرة جيل الثمانينيات، بشكل رسوماته الفريد وقصصه العلمية الشيقة، واختلافه عن المسلسلات الأخرى التي كانت تقدم في تلك الفترة في العالم العربي، أنتج المسلسل للمرة الأولى في عام 1987 وقد حقق نجاحًا كبيرًا جعله يعرض في عشرات الدول حول العالم، فقد عرض في أكثر من 36 دولة في أوروبا وآسيا وأفريقيا والولايات المتحدة الأمريكية، و قد ناقش الكثير من الأمور العلمية كتكوين جسم الإنسان والاختراعات العلمية، وتلوث البيئة، وركز على التطور العلمي.

كما عبر المسلسل الإلكتروني لبيبة عن ذكاء اصطناعي داخل الحاسوب، حيث يجري استدعاؤها عند الحاجة من طرف الشقيقين (وليد وهيا) بطلي السلسة المتحركة من أجل معرفة المعلومات عن الاختراعات الجديدة والاكتشافات العلمية.

وإن نظرنا إلى القيمة الفنية والجمالية للأفلام الكرتونية نجد أن معظمها تميز بموسيقى تصويرية هادئة ساحرة مستوحاة من أصوات الطبيعة تنمي الذوق الحسي الجمالي لدى الناشئة.

فماذا عن الأفلام الكرتونية في عصرنا الحديث في ظل التطور التكنولوجي وتقدم وسائل صنع الأفلام الكرتونية من مؤثرات صوتية وسمعية وبصرية؟ فهل ما تزال الرسوم المتحركة تحمل الرسالة التعليمية التربوية ذاتها التي وجدت من أجلها؟

الملاحظ اليوم على الأفلام الكرتونية الحديثة أنها لم تعد لغتها لغة تعليمية، فقلما نجدها تستعمل اللغة العربية السليمة. كما أنها تعرضُ بشخصيات مشوهة تفتقد للحس الجمالي، وتفتقد موسيقاها التصويرية ضوابط الإيقاع السمعي السليم لما فيها من صخب في الإيقاع ترفضه الأذن. ومفهوم العائلة النموذجية فيها تغير، فقد تتشكل العائلة الواحدة من خليط من الفصائل الحيوانية وتعرض الإنسان بصورة مشوهة. قد تغيرت الثوابت فيها فشوهت شكل الإنسان والحيوان ومفهوم الأسرة والبيت والمدينة والوطن ومفهوم الأرض.

صنعت الرسوم المتحركة في العصر الحديث الخيال العلمي بهدف غير تعليمي على الإطلاق، بل بهدف تنمية سلوك العنف والعدوانية لدى الطفل والحرب والصراع من أجل البقاء بالتخلص من الآخر وأخذ الطفل إلى عوالم مشوهة وغير محسوسة.

إن الكثير من هذه الأفلام فارغ المحتوى لا يحقق أي هدف ترفيهي أو تعليمي بل هدفها إنشاء شخصيات مشوهة نفسيًّا وسلوكيًّا. وهو ما يسجله اليوم الأخصائيون النفسيون من اضطرابات سلوكية لدى الكثير من أبنائنا أثناء المتابعة النفسية التربوية. ويؤكدها الأولياء من خلال وصف سلوكيات أبنائهم المثيرة والعدوانية.

ما تزال أغلب الأفلام الكرتونية التي يشهدها أبناؤنا مستوردة من مناهج غربية لا تخدم مناهجنا ولا تمثل ثقافاتنا ومبادئنا العربية المسلمة. وهنا يبدأ دور صانعي المحتوى من الشباب والمهتمين بالمجال السمعي البصري، الذين حققوا التميز في صناعة الأفلام التصويرية .إن صناعة فيلم كرتوني هادف رسالة نبيلة تستحق الدراسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد