ونحن في شهر رمضان الكريم؛ شهر البر والخير والكرم، يجدر بنا أن نغوص في بحار أدبيات المصريين القدماء لنخرج منها ما نستطيع من قيم أخلاقية وتربوية عالية؛ تمثلت في إقدام المصري القديم على فعل الخيرات والحث عليها والتحذير من مخالفتها، فالمصرى القديم كان كريمًا خيّرًا؛ بل كان يفخر بعمل الخير قبل افتخاره بأي شيء آخر، فقد كان يحث على إطعام الجائع وسقاية الظمآن وكسوة العاري وهداية الضال إلى سواء السبيل، وكان من أقوالهم: الرجل الطيب هو ابن للمسنين، وأخ للمطلق، وزوج للأرملة، وأب لليتيم، وهو كساء لمن يقرصه الصقيع، وملجأ له من الريح.

وها هو الحكيم «آني» يوضع لنا هذه المعاني جميعها في وصاياه فيقول: لا تأكل خبزًا بينما يقف آخر على مقربة منك، دون أن تمد إليه يدك بالخبز، فهناك الغني وهناك الفقير، ومن كان في عام مضى غنيًا صار فقيرًا.

ويقول: لا تتخذ سفينة على النهر لتتكسب عن طريقها أجر عبوره، ولا تقبل ثمنًا لذلك إلا ممن يمتلك مالًا؛ وأما من ليس له فلا تتقاضى منه شيئًا، وانقل في مركبك كل من يطلب العبور طالما كان فيها مكان، خذ الأجر من الرجل صاحب الثروة، ورحب بمن لا يملك شيئًا، كن رحيمًا في كل شيء، فلا تهزأ بالأعمى ولا تسخر من القميء، ولا تعيب رجلًا أعرج، ولا تغضب عليه إن سقط.

كما يقول معاني راقية ما أحوجنا إلى الالتزام بها اليوم: احذر أن تكون عنيفًا إزاء كليل الساعد، لا تكن شجاعًا أمام رجل كسير الجناح، لا تمدن يدك لتمسن رجلا مسنًا بسوء، لا تسخر من كلمة رجل عجوز، ولا تقل دع المنكوب يتلمس ترياقه بنفسه؛ ولن أصف له علاجًا، لا تدع مجهدًا يتطلع إلى أقصى الأرض وأنت قريب منه لا تعينه.

أما عن حسن معاملة المرأة الأرملة فيقول الحكيم «آني» أيضًا: لا تسأل عن شخصية أرملة، عندما تقبض عليها في الحقل، بل تذرع بالصبر في إجابتها، إن الله يحب إسعاد الفقير.

حتى أن الملك «خيتي»[1] ينصح ابنه «مرى كا رع» قائلًا: يجب أن تواسي الباكي ولا تضطهد الأرملة ولا تحرم أحدًا من ماله، ولا تطرد موظفًا من عمله.

بل حثوا أيضًا على كفالة اليتيم، والتبني لمن لم يكن له ولد؛ فها هي رسالة من رجل لصديقه الثري العقيم ينصحه فيها فيقول: إنك وإن تك موفور الثراء إلا أنك لم تعمل على أن تهب شيئًا لأحد، وأولى بمن لم يكن له ولد أن يتخير لنفسه يتيمًا يربيه، فإذا نما عنده صب الماء على يديه، وأصبح كأنه ولده البكر من صلبه.

أما الحكيم «عنخ شاشنقى»[2] فقد حث ابنه على المرؤة فقال: لا تكن ساقط الهمة عند الشدة، وافعل الخير، واذا فعلت معروفًا لخمسمائة إنسان وراعاه واحد فحسبك أن جزءًا منه لم يضع.

ومن عصر الرعامسة ظهرت وصايا قيمة حثت على أن الإنسان إذا أعطاه الله خيرا ألا ينسى الضعيف والفقير، فقالوا: إذا اغتنيت وواتتك المقدرة، وتعهدك ربك، فلا تكن جهولًا إزاء قوم تعرفهم بل احترم كل إنسان، حرر غيرك إذا وجدته مقيدًا، وكن معينًا للعاجز، فلقد قيل طوبى لمن لا يتصنع الجهل، وإذا رجاك يتيم مسكين يضطهده آخر ويبغي هلاكه، فسارع إليه وهبه شيئًا واعتبر نفسك منقذًا له، فمن أعانه ربه وجب عليه أن يحيي كثيرين غيره.

ويجدر بنا هنا أن نختم مقالتنا هذه بتلك الجواهر الثمينة التي أهدانا اياها الحكيم «آمون أم أوبى»: احذر أن تسرق فقيرًا، أن تصرخ في وجه أعرج، أن تمد يدك على رجل عجوز، أن تقاطع رجلًا كبير السن.

بل وبيّن لنا فيها أن فعل الخير سيظل صاحبه محمودًا في الدنيا والآخرة؛ حين قال: لا تكثر السعي من أجل نفسك حتى لا تصبح مكروهًا، وإذا كنت تحرث وكان هناك حصادٌ كاف من حقك وأعطاك الرب بسخاء، فلا تملأ فمك دون أن تفكر في الآخرين، ولا تكن شريرًا، فمن الخير أن تكون رحيمًا عطوفًا، خلد ذكراك عن طريق حب الناس، فيحمد الناس الرب من أجلك، ويمتدح الناس طيبة قلبك، ويتمنون لك الصحة والعافية.

فما أحوجنا اليوم إلى التعرف على هذه الأخلاقيات الفاضلة للمصريين القدماء والتحلي بها؛ وخاصة أننا نعيش في أواخر شهر الخير والكرم والبر والمعروف.


[1] – والملك خيتي هو أحد ملوك الأسرة العاشرة بأهناسيا ، وتعاليمه لابنه مرى كا رع موجودة في بردية ترجع لعهد تحتمس الثالث، وهذه البردية تسمى «بردية لينجراد» وهي محفوظة في موسكو حاليًا.

[2] – الحكيم عنح شاشنقي، عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، وكتب تعاليمه بالسجن حينما اتهم بالتستر على مؤامرة ضد الملك كان منها براء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد