يعيش المغرب على وقع احتجاجات متكررة، ورغم أن المسألة ليست غريبة في بلد يتأثر بجواره الإقليمي وعمقه الإسلامي وتدافع مكوناته الاجتماعية منذ عقود حول مسألة العوائق الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن اليوم يختلف عن الأمس أو بالأحرى تختلف مواقع الاحتجاج وأشكاله، فمن وقائع الدار البيضاء في الثمانينيات وفاس في التسعينيات، حيث خرجت مظاهرات كثيفة لأجل العيش الكريم وتم الرد عليها بعنف كبير فيما سمي بأحداث كوميرة (الخبز)، وحتى ما برز في خضم الربيع العربي من احتجاجات عمت المدن الكبيرة من طنجة والرباط والدار البيضاء تضاءلت فيما بعد وتحولت إلى وقفات محتشمة، بعد الإصلاحات الدستورية والتحركات الاجتماعية والاقتصادية التي أقدمت عليها الدولة كرفع معدل الأجور في القطاع العام وفتح مقاولات استثمارية فيها، كتوطين صناعة السيارات والطيران في طنجة الشمالية والقنيطرة والدار البيضاء وإنعاش السياحة في مدينة مراكش، فإن الاحتجاجات عادت من جديد وهذه المرة انطلاقًا مما يسمى بالمغرب غير النافع أو المغرب المنسي.

التهميش باعتراف الدوائر الرسمية كائن وواقع وهو متوارث منذ عهد الاستعمار حين عملت الإدارة الاستعمارية على تعبيد الطرق وإنشاء المقاولات والبنى التحتية كمد سكك الحديد وبناء المطارات والمواني في المناطق الغنية والمؤهلة لتكون مصدرًا مدرًا للأرباح وقريبة بما فيه الكفاية من أوروبا ومن البحر الأبيض المتوسط لاختصار مسافة التصدير، وهو ما جعلها تخط خريطة اقتصادية غير متوازنة رغم أن كل المناطق كانت تخضع للهيمنة الفرنسية إلا أنها آثرت بناء منظومة اقتصادية قوامها مدن الدار البيضاء وفاس وطنجة وبنسبة أقل مدن أكادير والجهة الشرقية والجنوب، ما جعلها مصدرًا للمواد الأولية ومناطق للترفيه والنسيان، وهذه الطريقة في التدبير هي التي تم الإبقاء عليها بعد الاستقلال حيث كانت الانشغالات السياسية والصراع بين الأحزاب والسلطة حول شكل بناء الدولة الوطنية وآليتها هو المهيمن، ما عمَّق الفجوة بين المدن الرئيسة (وحتى بين مركز المدينة وضواحيها) والأخرى المتواجدة على الأطراف فيما يمكن اعتباره تأجيلًا ثقيلًا للتنمية.

في العهد الجديد منذ العام 1999م تم وضع نموذج تنموي عام يركز على فك العزلة ومحاربة الهشاشة الاجتماعية في المناطق البعيدة والفقيرة اعتمادًا على تعبيد الكثير من الطرق ومد الكهرباء وتوفير المياه لنسبة كبيرة من السكان الذين كانوا يجدون صعوبة في توفيرها والمحافظة عليها وإطلاق مشاريع اجتماعية تركز على تقليص الفوارق الاجتماعية، لكن هذه المشاريع التي رصدت لها مبالغ مهمة وتمت المراهنة عليها لتحويل مدن الهامش وقراه إلى أماكن صالحة للعيش الكريم والإنتاج لم تنجح كما كان متوقعًا، بل خلقت حالات اجتماعية جديدة ومعقدة حين فتحت الباب على مصراعيه أمام الثقافة الأجنبية عبر التلفاز ثم الهاتف لاحقًا جعلت هذه الأماكن تعيش على إيقاعات غريبة عنها، فأصبحت الأوقات تقاس مثلًا على زمن نشرات الأخبار والمسلسلات الأجنبية، كما تخلخلت بنية العلاقات الاجتماعية داخل الأسر بين الشابات والشباب الطامح من جهة لحياة أفضل في ظل شروط حضرية يتوفر فيها قدر مهم من الراحة والدعة، ومن جهة ثانية الشيوخ المتعلقون بلقمة الخبز المُرة والشاقة المكتسبة بفلاحة الأرض واستغلال خيراتها، كما تأثرت العلاقات بين الأسر والجيران الذين تهدمت روابط التراحم والتكافل بينهم لصالح منطق الحياة المعاصر المستورد، فأصبحت القيمة للمال على حساب الأشياء المعنوية عكس ما كان سائدًا في الماضي حيث يتعاون القادرون من الرجال مثلًا لحرث أرض جار يعيش بلا أولاد أو عم فقير والنساء يتناوبن ويجتمعن في الاعتناء بحقولهن وأعمالهن المنزلية، الأمر الذي بات نادرًا اليوم.

التغيير الحاصل وما رافقه من هجرة مكثفة نحو المدن وتدفق المعلومات عن العالم الخارجي لتطور وسائل الاتصال وتفشي منطق الاستهلاك إضافة إلى الأخبار والوقائع التي يأتي بها المهاجرون وتفتقر إليها مناطقهم أدى إلى تطور الوعي لدى الناس ولو كان ضئيلًا بحقوق المواطن (الواجبات يتم فرضها بقوة القانون) ومسؤولية الدولة والمؤسسات، فانتقل التفكير من الحرص على النأي بالنفس عن الشأن العام وما يجره ذلك من مشاكل ومتابعات إلى إبداء الرأي والنقاش في القضايا المحلية كالمطالبة بالمدارس والطرق إلى الاهتمام بالقضايا الوطنية التي تتداول فيها الأحزاب والحكومة ومناقشة الآراء المعارضة والمؤيدة وهذا أمر كان صعبًا في الماضي ولا يتم إلا في زوايا ضيقة.

استفادة المناطق الغنية وذات الإرث التاريخي من الاستثمار والمقاولات ورؤوس الأموال الوطنية والأجنبية دفعت الشباب للهجرة وببعض الأسر إلى الهجرة النهائية نحوها لكن الآخرين ممن تقطعت بهم السبل ولا يعرفون منطقة غير منطقتهم جعلهم يحتملون الفقر والبطالة ونقص الخدمات فكانت الوعود التي يسمعونها إبان كل حملة انتخابية مع إرث المغرب الاجتماعي الذي يدور كله حول الصبر ومنافعه تدفعهم إلى الانتظار مؤمنين بأن هناك من يفكر في معاناتهم، لكن التغيير في العلاقات الاجتماعية والغلاء وانشطار الأسر من نموذج الأسرة الكبيرة إلى الأسر النووية والجفاف بانحباس الأمطار وتراجع الفلاحة والبطالة المتزايدة نتيجة النمو السكاني ثم الالتزامات الكبيرة للدولة التي تعهدت بالوفاء بها أثناء الربيع العربي جعلت الأمور تتغير من القناعة التامة بجدوى الصبر والقناعة بالوضع إلى الاحتجاج والمطالبة والاعتراض.

آمال الشباب والطموح المتزايد نحو حياة أكثر يسرًا وبمناصب عمل تضمن الكرامة، ورغبة الناس في تعليم أكثر اتزانًا ونظام صحي عادل لا يدفع بالناس نحو المصحات الخاصة مرغمين، هي عناوين الاحتجاجات والمطالب الرئيسة لكن الطريق إلى ذلك وآليات التنفيذ تبقى بيد المسؤولين والمؤسسات التخطيطية التي لا يمكن لها بنفس الأشخاص وبنفس العقليات المتوارثة خصوصًا إيمانهم بمركزية المغرب النافع وانفراد المركز بالقرار، وعدم محاسبة المسؤولين عن الاختلاسات المالية والاختلالات الاستراتيجية لن تحسن من الأوضاع ولا يمكن لها أن تعيد الفترة الثمينة من عمر المغرب التي ضاعت في الكلام والحشو وفي البرامج المغشوشة التي تفرخ مشاكل مضاعفة أكثر من تلك التي جاءت لمعالجتها.

في ظل هذه الظروف بدأت تتفرخ احتجاجات لا تشبه في شكلها ما سبقها من الاحتجاجات المنظمة والمؤطرة من طرف الأحزاب والنقابات، بل جاءت كمسيرات اجتماعية غير منظمة ودون توجيه تغذيها نوازع اليأس والقنوط من تكاثر الوعود وكذبها، وكذا المسار الذي أخذته الأمور بعد سيطرة نزعة الرأسمالية المتوحشة على السوق المحلية ونظم العمل، وانفراط عقد التلاحم الاجتماعي وأنانية المسؤولين الحزبيين وحتى أنانية بعض فئات الشعب التي استفادت في المركز وتعارض أي مطالب واحتجاجات تأتي من سكان المناطق المنسية، فيما يشبه صراع طبقات (أو صراع مجالات) في نسخة مغربية تعارض فيها الطبقات المشابهة (الوسطى والبعيدة عن خط الفقر) للطبقة المتضررة (المهمشة والفقيرة) أي تحرك قد يضغط على وضعها الخاص هذا دون الحاجة للإشارة لموقف الطبقات الغنية، رغم أن الخطاب الاحتجاجي موجه نحو كبار الاقتصاديين والأغنياء والسياسيين الذين يخططون ويضبطون ويستفيدون ولكنهم وقت إحصاء الخسائر يختفون من على الطاولة وعن لوائح المتضررين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد