تحدث الداخل المغربي عن النجاح الديبلوماسي الباهر الذي حققته السياسة المغربية، في قضية الصحراء المغربية، وهذا النجاح، هو كسب اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء، لكن ما المقابل الذي قدمه المغرب؟ إنه تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني. وقد تم توقيع الاتفاق، لكن هلم نحلل قليلًا الخطوة التي قامت بها المغرب:

إن الخطوة التي قامت بها المغرب، تعرف في السياسة بمنطق «الاستقواء بالخارج»، فإذا كانت هذه الخطوة تبدو عن طريق البروباجندا الإعلامية التي صحبتها في الداخل بالانتصار الدبلوماسي الكاسح، فإنها على المستوى الإستراتيجي، البعيد وحتى المتوسط، لا تبدو كذلك، نظرًا للاعتبارات التالية:

أولًا: ليس من مصلحة أمريكا، ولا النظام الدولي، بقاء خرائط دول العالم الثالث، ونقصد هنا خرائط ما بعد الاستعمار، على ما هي عليه، فالنظام الدولي عامة، وأمريكا خاصة، تفضل مزيدًا من التقسيم، إنها تفضل الدويلات الصغيرة التي يسهل السيطرة عليها، وإذا ما سنحت الفرصة لمزيد من التقسيم فإن أمريكا سوف تدفع من أجله، وليس السودان عنا ببعيد، فإذا رأت أمريكا مصالحها في دعم خيار انفصال الصحراء، فإنها سوف تدفع بذلك لا محالة تحت مسمى الحق في تقرير المصير. فالثابت في السياسة أنها تتبع المصالح، والشيء الوحيد الثابت في المصالح السياسية هو التغير.

ثانيًا: النظام الدولي الآن يعرف إعادة الترتيب، فبعد سقوط جدار برلين سيطرت الولايات المتحدة على العالم، لكن في السنوات الأخيرة بدأت إرهاصات زوال القائد الوحيد للعالم في الظهور، فالعالم الآن بدأ يدخل في مرحلة تعدد الأقطاب، فبدأنا نرى عودة روسيا والصين بقوة إلى الساحة الدولية، وأصبحوا من اللاعبين الأساسيين ، فليس من مصلحة المغرب في هذه الآونة الانحياز للولايات المتحدة وتقديم القربان، هذا ناهيك عن أن المرسوم الذي جادت به أمريكا على المغرب مقابل التطبيع مع إسرائيل يأتي في الأيام الأخيرة لولاية ترامب، ومن الوارد أن يتم نسخ هذا المرسوم في إدارة بادين، لو قدم خصوم قضية الصحراء عروضًا مغرية، مما سيجبر المغرب على تقديم قرابين جديدة.

ثالثًا: فتح سفارات جديدة للعديد من الدول في مدينة العيون المغربية، وإن كان يعطي، للمغرب قوة خارجية إلا أن التخوف من أن تتحول هذه السفارات، إلى أداة للبحث عن مصالح في الصحراء وارد، فدولة كالإمارات مثلًا لن تتكبد عناء فتح سفارة في الصحراء دون أن تضع نصب أعينها البحث عن مصالح خاصة بها في الصحراء، والمغرب إن لم يكن متفطنًا لهذا، فإنه عوضًا عن أن يكون في حرب ضد البوليساريو وحده، سيصبح في مواجهة نفوذ دول عديدة، ولو تضاربت مصالح هذه الدول فمن المحتمل أن تنشب صراعات يديرها أقطاب خارجيون هو من أعطاها تذكرة الدخول.

رابعًا: مشاكل الداخل لا يمكن أن تحلها وزارة الخارجية، فالمغرب يتخبط في العديد من المشاكل، الراجعة بالأساس إلى عدم إرساء مبادئ الديمقراطية، وعدم التوزيع العادل للثروات، والتحكم الخارجي الذي ورثته المغرب من حقبة الاستعمار. فكان حري بالمغرب عوض أن يفكر في الخارج أن يفكر في الداخل، الذي نقصده هنا هو بناء اقتصاد قوي، وخلق فرص للشغل، وإصلاح النظام التعليمي والصحي، أي استثمار رأس المال البشري، بهذا فقط يقطع المغرب فكرة الانفصال من جذورها، وكان من الممكن أن يعيد توطين مواطنين من مدن الداخل في مدن الصحراء عن طريق خلق فرص شغل مغرية، وبهذا تكون الصحراء محمية من الداخل، لأن المشكل الأساس في المغرب، ليس من الخارج، وإنما هو مشكل داخل.

خامسًا: تطبيع العلاقات مع إسرائيل هو اعتراف بمغتصب للأرض الفلسطينية، أي هو خيانة لقضية عادلة فإذا كانت المغرب تؤمن بعدالة قضية الصحراء فلماذا تبيع قضية عادلة في مقابل قضية عادلة، ناهيك عن أن إسرائيل لا تؤمن بالصديق، بل تؤمن بالمصلحة، والمصلحة كما سبقت الإشارة قابلة للتغيير.

خلاصة القول: الحلول الخارجية والاستقواء بالخارج، لا يمكن أن يحل قضية الصحراء بشكل فعلي خصوصًا على المدى المتوسط والبعيد، وإنما الحل الأنجع يكمن في بناء داخل قوي متماسك قادر على مواجهة الخارج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد