تعلمنا في دراستنا، ومن خلال مناهج الدولة، ومن خلال كتب وخطب رجال الدين من مختلف الطوائف الإسلامية، بأن لا فرق بين بني إسرائيل واليهود، وهم من أهل الكتاب، وهم أعداء لنا، وأنهم بلا إيمان ولا عقيدة، وهمهم الوحيد هو العلو ومحاربة الأديان الأخرى، التي جاءت بعدهم مثل المسيحية والإسلام؛ ومن أجل تحقيق مصالحهم فإنهم لا يتوانون عن فعل القبيح والسيئ من أجل تدمير الآخرين، وجعلهم بحاجة إلى معونتهم وعطفهم.

هكذا تعلمنا أن اليهود بشكل عام أعداء الله وأعداؤنا، وهذا الفكر ولّد حقدًا على اليهود، جعل من الناس تقبل بعملية التهجير القسري لليهود من دول عربية منها العراق، تاركين خلفهم مع الذكريات أموالهم وتجارتهم، ليخرجوا من بلدانهم التي ولدوا فيها وكبروا وتعلموا وأكلوا وشربوا من خيراتها، من غير ذنب أذنبوه سوى انتمائهم الديني والقومي، ليطردوا وهم يودعون أجدادهم وتراثهم ومزاراتهم ورموزهم الدينية، وداعًا من يعلم بأنه لن يعود إلى أرض الوطن مرة أخرى.

القرآن واليهود

في القرآن الكريم هناك مئات الآيات الشريفة التي تتحدث عن اليهود، وهي تقسمهم إلى ثلاثة أقسام، وكل قسم من هذه الأقسام هو يتحدث عن مجموعة معينة منهم، وأن لفظة «أهل الكتاب» هي إحدى هذه الأقسام الثلاثة؛ حيث إنها لفظة عامة تشمل بني إسرائيل واليهود معًا، فهم بكل الأحوال أصحاب الكتاب الأول، وهو التوراة، وأن رسالتهم هي أولى الرسالات السماوية، والتي من خلالها تغيرت التعاليم من توجيهية إلى قوانين وأنظمة، تشمل جميع مرافق الحياة وتفاصيلها.

بالعودة إلى قصة يوسف -عليه السلام- فإنه عندما استقر في مصر مع عائلته، وتم لم الشمل فيها، شهدوا في تلك السنوات نوعًا من الاستقرار، لتكبر عائلة النبي يعقوب -عليه السلام- وتتوسع وتتحول إلى 12 عشيرة، تتفرع من أبنائه الاثني عشر، وهنا كانت المرحلة الأولى من تاريخهم الطويل، والذي يطلق القرآن عليهم فيه لفظ «بني إسرائيل» وهو القسم الثاني، ومع نزول الكتاب بقيت التسمية هي ذاتها فالديانة الموسوية كانت تشمل كل بني إسرائيل، حتى وصولهم إلى سدة الحكم، وهنا انقسموا إلى دولتين إحداهما تشتتت وأُبيدت، وهي التي تشمل أكبر عدد من بني إسرائيل، وبقيت الأخرى أطول بقليل، وهي التي كانت لأبناء «يهوذا»، والذين كتب لهم النجاة، وهم الأكثر عددًا من باقي أبناء يعقوب -عليه السلام-؛ وبذلك أصبحوا هم من يمثل الدين الموسوي، ليتحكموا به بطريقتهم، ويعيدوا كتابة التوراة حسب أهوائهم، ويستحوذوا على إدارة المعابد؛ ليتحول الدين إلى منهاج سياسي، وفي هذه المرحلة تغيرت تسميتهم من بني إسرائيل إلى اليهود.

اليهود لا يمثلون بني إسرائيل بالكامل، بل يمثلون أنفسهم فقط، وهم بصفاتهم وتصرفاتهم وأفكارهم وطموحهم السياسي ومحاولاتهم الدائمة للوصول إلى اعتلاء الكرسي بطريقة قومية أكثر منها دينية، يثبتون بأنهم ليسوا على منهاج التوراة الصحيحة، ولا على منهاج موسى -عليه السلام-؛ وهذا يعني أن أتباع ديانة موسى -عليه السلام- ليسوا بالضرورة من أتباع منهاج اليهود، وهنا يجب أن نفرق بين الأمرين كما نفرق بين شعب أي دولة وحكومتها.

ولكن بعد الحرب العالمية الثانية تغيرت الخطط اليهودية، لتجلب جميع الإسرائيليين إلى دولتهم التي سيقيمونها في فلسطين، ولكن هذه الدعوة لن تكون ناجحة؛ لأن الإسرائيليين في بلدان العالم قد استقروا وتأقلموا في العيش في أوطانهم، وهم ليسوا بحاجة إلى الترحال، وترك الأرض التي يحبونها ويحترمونها؛ ولهذا تطلب الأمر وقتًا لإجبارهم على ترك الأرض والالتحاق بدولة إسرائيل اليهودية، وهنا عملت الحكومات والمنابر التابعة لها على تعزيز فكرة عدم التفريق بين الموسويين من بني إسرائيل، وبين اليهود واليهودية باعتبارها نظامًا سياسيًّا، وهو ما ولد حقدًا كبيرًا على أناس لا يريدون المساس بأمن وأمان المسلمين، بل يريدون التعايش بسلام مع الجميع كما فعلوا في سنوات حياتهم الطويلة التي قضوها وخاصة في العراق.

هذا الإعلام الذي خدع عقولنا وجعلنا نعادي أناسًا لم نر منهم أي سوء، سوى أننا نظن أنهم ينتمون إلى اليهود الذين ذمهم الله في كتابه، ونفس الحماقة التي قادتها الحكومات في تلك الفترة تعيد نفس الفكرة اليوم؛ لبث سمومها من أجل تفريق المسلمين من خلال إيجاد الكره والحقد في قلوب المسلمين على نموذج منهم، وطائفة إسلامية يحاولون إخراجها من الإسلام، واعتبارها نظامًا سياسيًا، وتحميله جميع الأخطاء.

بنو إسرائيل وأتباع دين موسى -عليه السلام- من أهل الكتاب هم من أجاز الله لنا أكلهم وشربهم، وحرم علينا دماءهم، وأوصانا بهم خيرًا، أما من يمثل الجانب المزور من القضية والجانب السياسي منه وهم اليهود فهم من يجب أن نتعامل معه بحذر، رغم أن خطابات رجال الدين المحرضين على قتل المسلمين بتهمة الكفر والشرك هم من يرفضون اليوم التعرض لليهود ودولتهم، علمًا بأنهم من نفس المدرسة التي حرضت على محاربتهم فيما سبق، وتسببت بتشريدهم وتجميعهم في أرض فلسطين، لينمو في قلوبهم أيضًا حقد وكره للمسلمين على عكس ما حاول فعله النبي الأكرم محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم –معهم، وكيف جاورهم وعاملهم بالحسنى.

والحمد لله رب العالمين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد