لم تغفل المؤسسات الفكرية الغربية الحديث عن المسجد وعلاقته بالإسلام كشريعة وعلاقته بالمسلم وأفكاره وسلوكياته، ولأنها ترى أن دور المساجد قد يعوق حركة التغريب التي تسعى خططهم إليها كان ينبغي عليهم أن يقوموا بابتكار طرقٍ ووسائل يستخدمها التغريبيون لمواجهة المسجد. يقول أحد تقارير مؤسسة راند الأمريكية (بناء شبكات مسلمة معتدلة) ص 165 منه. يكمن أحد أسباب نجاح الراديكاليين في نشر أفكارهم في أنهم يستخدمون المساجد كوسيلة لجذب الناس نحوهم وتجنيدهم لهم. فما هو المسجد في نظرهم وبماذا يفكرون تجاهه.

تعريف المسجد

يطلق على موضع السجود من الأرض وعلى كل موضع يتعبد فيه، ويطلق المسجَد بفتح الجيم على جبهة الرجل، حيث يصيبه ندب السجود، والمساجد: مواضع السجود من بدن الإنسان، والسجود: الخضوع. وقد سمي المسجد بهذا الاسم لأن السجود أشرف أعمال الصلاة، وإن العرف قد خصص المسجد بالمكان المهيأ للصلوات الخمس حتى يخرج المصلي المجتمع فيه للأعياد ونحوها فلا يعطى حكمه.

تعريف المسجد في الشرع

هو كل موضع يسجد فيه لله تعالي، لحديث سيدنا جابر رضي الله عنه: وجعلت لي الأرض مسجدًاً وطهورًاً. وهو: المكان المهيأ للصلوات الخمس جماعة. وأحب البقاع إلى الله تعالى هي المساجد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أحب البلاد إلى الله مساجدها. وللمساجد فضلها وأثرها في تربية المجتمع ومكانتها في الإسلام معلومة، وحين دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان قيام المسجد النبوي وإعلان التوحيد في المدينة هو إعلان قيام دولة الإسلام، كما أن المسجد أول الأسس التي قامت عليها الحكومة في الإسلام.

المسجد في فكر المؤسسات الغربية

يمكن اختصار موقف المؤسسات الغربية من المسجد في النقاط التالية:

أولًا: المشكلة ليست في وجود المسجد ولكن في الأفكار التي يروجها

بل إن اهتمام مؤسسة راند ليس بذات المسجد من حيث بنائه أو هدمه، ووجوده وعدمه، وإنما من حيث استخدام المساجد في نشر الأفكار المعادية للعلمانية والتقاليد الغربية، ولذا يعتبرونه أحد الفروع الرئيسة لتجنيد الإرهابيين. وفي تقرير (كشف مستقبل الحرب الطوية) يرى الباحثون أنه بحكم قدرة المساجد على تقديم مساعدات للأماكن العامة، إضافة إلى قدرتها على تقديم خطاب ديني اجتماعي، فإنه يمكن من خلالها نشر الأفكار المتطرفة.

محاولة السيطرة على المساجد

تدعو الدراسات في مؤسسة مثل (راند) إلى تبني الولايات المتحدة برنامجاً يكفل عدم رعاية المساجد للأفكار المتطرفة، ودراسة ( العالم المسلم بعد 11 سبتمبر (أيلول) تقترح التوصل إلى وسائل لدعم الجهود المبذولة من الدول والمنظمات الإسلامية المعتدلة من أجل ضمان عدم انتشار الأفكار المتطرفة داخل المساجد، مع التأكيد على أن يكون هذا الدعم غير بارز لعدم تشوية صورة الجهات المدعومة).

تمكين التغريبين من استخدام المساجد

بما أن المتطرف من وجهة نظر التغريبيين هو كل مسلم ل يعترف بأفكارهم التغريبية فإن المسجد هو وسيلة إعلام لهذا التطرف ولذا فإنهم يرون أنه ينبغي تمكين التيارات التغريبية من المساجد لأنها أقرب إلى الجماهير التي تجتمع لأجل سماع الدروس العلمية والأحكام الشرعية. وحسب تعبير التقرير الغربي (الإسلام المدني الديمقراطي) يجب العمل على إنهاء هذا الاحتكار؛ إذ إن للأصوليين جمهورًا أسيرًا لهم يحصلون عليه في المساجد.

التغريبيون لا يستطيعون!

توضح التقارير أيضًا ضعف التيارات الليبرالية في القدرة على الوصول إلى الجماهير الكبيرة المرتبطة بالمساجد فيقول: (وأما الأكاديميون الليبراليون فإنهم لا يجدون أنفسهم في جذب الناس بالمساجد؛ إذ يجدون من الصعوبة أن يترجموا لغتهم الأكاديمية التي تعودوا عليها إلى لغة رجل الشارع العادي، ومن ثم تعتمد أية حركة إسلامية ليبرالية أو معتدلة ذات قاعدة جماهيرية على رجال الدين وبخاصة الشباب منهم الذين سيصيرون هم القادة الدينيون في المستقبل).

وزارات الأوقاف في خطط المؤسسات الغربية

لاحظ باحثو راند أن معظم الدول في الشرق الأوسط استطاعت السيطرة على المساجد من خلال إدارتها بواسطة وزارات الشؤون الإسلامية، بل يصل الأمر – حسب تعبير المستشرق فولر – إلى أن تحديد الخطبة التي يتم إلقاؤها في صلوات الجمعة في المساجد من صور هذه السيطرة وذلك لأجل تجنب تراكم السلطة الدينية المستقلة أو نقد الدولة. بينما الحقيقة أن هذه الأمور ما هي إلا أمور تنظيمية وإرشادية من اللجان العليا في الوزارات الدينية في العالم الإسلامي.

التخوف من زيادة أعداد المساجد

أما عن زيادة أعداد المساجد فإن وجهات نظر خبراء (راند) تختلف تجاه ذلك بحسب مدى إقبال الناس على ارتياد هذه المساجد وأثر هذه المساجد في دعم انتشار الحركات الإسلامية، فمن وجهة نظر ( فولر) خبير راند فإن بناء المساجد يدعم انتشار الحركات الإسلامية ودراسة (العالم المسلم بعد 11 سبتمبر) لا تواقف القول بأن زيادة أعداد المساجد وبنائها مصدر قلق للدول الغربية، والسبب في ذلك – حسب وجهة نظرهم – أن زيادة أعداد المساجد في آسيا الوسطى بعد سقوط الاتحاد السوفيتي لا يمثل أية مشكلة؛ لأن المقبلين عليها هم كبار السن من الرجال.

خطر تواجد الشباب في المساجد

فإن استياء وقلق الباحثين الغربيين من المساجد يزيد في حالة إقبال الشباب عليها؛ لأنهم سيسهمون في انتشار الأفكار الإسلامية التي لا تتوافق مع مشروعهم في نشر معايير الاعتدال الأمريكية ولا شك، فطالما كان الشباب بعيدين عن المساجد فهم، حسب رؤية المفكرين الغربيين أقربَ إلى الاعتدال وأبعدَ عن الانحراف الفكري. ومن ذلك يتبين لنا جميعًا أن مرحلة الشباب هي أهم مراحل حياة المسلم وارتباطه بالمسجد في هذه الفترة يزيد من إيمانه ويثبت عقيدته ويقوي شوكة المسلمين به.

صناعة منابر في مقابلة المسجد

توصي التقارير الغربية ومنها (تقرير الإسلام المدني الديمقراطي) الصادر عن مؤسسة راند بضرورة صناعة منابر إعلامية للتيارات التغريبية، مثل وسائل التواصل الاجتماعي التي يسهل من خلالها الوصول إلى الشباب أو إنشاء الإذاعات الشبابية التي تتخذ من الغناء وجهة لها وفي ثنايا برامجها الإذاعية تقدم مجموعة من القضايا التي تسعى إلى إقناع الشباب بها، أو من خلال صناعة الأفلام والمسلسلات التحررية التي تحمل مجموعة من القضايا الفكرية . وكل ذلك أملًا في تخفيف تأثير المساجد على الشباب.

ملخص الموقف

1- مما سبق يتبين لنا أن موقف التغريبيين من المساجد يتلخص في ثلاثة أمور: الأول أن المسجد من وجهة نظرهم مكان لتجنيد الإرهابيين. والثاني: خطورة سيطرة الحكومات على المساجد وزيادة أعدادها. والثالث: خطورة كون المسجد منبرًا للإسلاميين فقط. ولكل نقطة من هذه النقاط التي استدللنا عليها خلال المقال رد ونقد، وهذا ما سيكون اللقاء معه في المقال القادم إن شاء الله تعالى. أترككم في رعاية الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تقرير مؤسسة راند لعام 2007
رسالة ماجستير لكاتب المقال بجامعة الأزهر
مؤسسة البحث والتطوير راند للدكتور عبدالله المديفر
تقرير الإسلام المدني الديمقراطي الصادر عن مؤسسة راند عام 2003
عرض التعليقات
تحميل المزيد