قبل ما يقارب 1439 سنة من الآن حدثت هجرة عظيمة، هجرة غيرت مجرى التاريخ في وقتها وبعدها، والذي ما زال يتغير حتى الآن. ولكن أحقًّا أن بني جنسنا كانوا مندفعين لها أم مكرهين عندما غادروا أوطانهم وترابهم؟ كانوا مكرهين طبعًا ورسولهم أيضًا فيذكر أنه قال عندما خرج من مكة إلى المدينة: «أَمَا وَاللَّهِ لأَخْرُجُ مِنْكِ، وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ أَحَبُّ بِلادِ اللَّهِ إِلَيَّ وَأَكْرَمُهُ عَلَى اللَّهِ، وَلَوْلا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ». في ذلك الوقت لم يكن الإسلام إلا في مكة واليوم هو في غزة. أجبروا قبل ذلك للخروج من العرب واليوم أيضًا على وشك الخروج بمساعدة العرب، وكأن التاريخ يعود ليعيد نفسه مرة أخرى!

في تلك الحادثة هاجر محمد وأصحابه من أرضهم مكة إلى أرض غيرهم لما لاقوه من ظلم وقهر وتجبر من أهلها. لو فكرنا بعقلانية في تلك الهجرة لوجدناها منطقية في معظم جوانبها مع صعوبة احتاجت لرجال لتستمر، فهم من خلالها تخلصوا من عدوان من حولهم وتوجهوا إلى أرض فيها أمان على حياتهم لا ليكملوا هناك حياتهم فقط، بل لتزداد شوكتهم وقدرتهم بعد مدة وإن طالت، فكان ذلك خير مثال على تخطيطهم لمستقبلهم لا لأنفسهم فقط، بل ولأجيال بعدهم وعصور وأزمان. أما في هذه الأيام فما زلنا نستيقظ لنجد أن العرب الذين أخرجوا محمد من أرضه يعودون ليس لإخراجه من أرضه، فهو قد انتهى، بل لملاحقة من اتبعه من الرجال والنساء والأطفال في غزة حول بيت المقدس لاغتصاب أرضهم التي هي ليست أصلًا لهم، نعم كانوا أعرابًا وما زالوا أعرابًا لا يسوقهم إلا هواهم الأحمق.

في تلك الأيام أيام الهجرة استسلم محمد لأمر بعيد كل البعد عن معنى كلمة «هين» وخرج إلى أرض استطاع عليها وأصحابه بناء نفسه وتعميق فكر شريعة الله فيهم، وبعدها علموا ما يجب عليهم أن يعلموا فجهزوا أنفسهم داخليًّا حتى أنهم قضوا على عاداتهم السيئة الرجعية، فكان إسلامهم متمم لأخلاقهم ونعمة عليهم لينتقلوا من حياة البهائم في الجاهلية إلى حياة الإنسان المستخلف بعدها. في هذه الأيام ما من حل لأهل غزة والمقاومة هنالك إلا أن يغادروا بلادهم التي أحبوها والتي هي رقعة الإسلام الوحيدة في الأرض تمامًا كما كانت مكة لينتقلوا إلى مكان أكثر انسجامًا ليبنوا أنفسهم من جديد في كل الجوانب، من تعليم وصحة وقدرة بدل كل هذا الحصار المفروض عليهم، فالغذاء عندهم قليل، والبناء محدود، والكهرباء لفترة قصيرة، والتنقل شبه مستحيل، ومن كل الجهات هم معاقبون للسبب نفسه الذي عوقب من أجله محمد. إن الهجرة كلمة عظيمة لا ينفذها إلا أصحاب الهمم العظيمة، فإن خفتم من الذهاب إلى أرض أخرى تاركين وراءكم كل ما أحببتم فمن الأحق لكم إذن الموت قهرًا بعد حين، وهو حتمًا الذي سيحصل إن بقيتم في أرضكم ليس لضعفكم؛ بل لأن العالم أجمع ضدكم كما كان ضد محمد.

الحكمة والقوة لا يعنيان فقط التضحية والشجاعة والفوز بالمعارك، بل يعنيان أيضًا أن نخطط لما سنكون عليه في المستقبل، فإن فقدنا قدرتنا على سيطرتنا على قراراتنا فماذا بقي لنا؟ أن نحيا فقط؟ لطالما كان الموت أفضل من الحياة الذلولة المغطاة بالضعف والعذاب. عليكم يا أهل تلك المنطقة أن تفكروا بالحال الذي ستكونون عليه بعد الآن، وليس فقط الحال الآن، قد تكون سيناء منطقة ليست بحجم جمال غزة، ولكن انظروا في الأمر وإن كان بعضه هزيمة لكبريائكم فهو شرف لمن بعدكم، وفرج بعد ضعف. فحاولوا أن تأخذوا ما استطعتم من حقوق في صفقة القرن لا لتقفوا حينها، بل لتعودوا مرفوعين الرأس كما كنتم.

من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إل الجنوب من روسيا إلى الولايات المتحدة، من أقاربكم في الشرق إلى من حولكم من العرب، الكل متوحد ضدكم فلن تنجوا إن بقيتم على هذا الحال، إن فتحت مصر أبوابها فهو ليس بالأمر العابس كالذي نتخيله، قد تكون محط عودتكم لأرضكم بكرامة. انجوا انجوا يا أهل الشرف، فالبقاء مع حيوانات هذه الأرض هو فقط للأقوى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد