من أجمل ما تحمله رياح الثورات، هو ذاك النهم حول المعرفة بحثًا عن اليقين، وكأن الإنسان يستغيث بقارب الكتب. يبحث بين طياتها عن تفسيرات لما تحمله الصور من تعقيدات، يبحث عن زاد بعدما جفت ينابيع الوجود من حوله، من صحب غابوا عن الحياة وآخرين غيبتهم الأسوار، وقادة وآراء أفضوا إلى حالة اللاشيء، لا هزيمة ولا انتصار.

هنا يبدأ الشباب المسلم في الاستئناس بالمعرفة التي يلقبها بالإسلامية، بيقين أننا سنجد ملاذنا في القرآن، وربما في ذلك الإرث القديم والحديث من الفكر الإسلامي، وأكثر ما يقلقني عند تحصيل المعرفة هو إغفال أهمية البناء على تصورات عقدية وفهم صحيح واستيعاب كامل للأنساق المعرفية، مساحات الاختلاف فيها، ومساحات التقارب، وقطعيات الخلاف.

يتضمن ذلك أهمية الأخذ في الاعتبار عند التعامل مع التصورات الإسلامية، خصوصية وحساسية الخطاب القرآني، فالأمر يتطلب مقدمات معرفية، ومقومات تأهيلية، قبل الدخول عليه.

عملية إدراك المقاصد الكلية، وكيفيات تفاعل الزمان والمكان في داخلها، أو بعبارة أخرى تفاعل الوحي مع الإنسان في الفعل الحضاري، خطوة لا غنى عنها للفهم.

أما أريحية الولوج على القرآن ورحابه المعرفية، وأريحية الوقوف على التقاطعات النسقية، إنما تؤدي إلى تشوه في المحصل من المعرفة، يتبعه خلل واعوجاج في المنتج منها.

أيضًا ذاك التساؤل القديم، ولقدمه يتجاوزه البعض على الرغم من عدم تبيان الإجابة بجلاء عند أغلب من يتلقون ذاك السؤال، علام تقع صفة “الإسلامي”؟!

لست بصدد الإجابة هنا، ولا بإيضاح المقاصد والأنساق، فهي بغية طالب العلم الذي يبحث، ويصل بالنهج لا بالثمرة وحدها.

فقط تمهلوا، فليس العبرة بعدد ما تقرأ، ولا بعتاد ما تحفظ من أسماء المفكرين وأقوالهم، إنما العبرة بالنسق.

ذاك النسق الذي تصنعه داخل وعائك التوحيدي.

إن لم تتسق مكوناته وتنسجم، تختل العقيدة، ويتهدم بنيان الدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد