«يا ابني إنتو شباب، مالكم بقى فيكم إيه؟ ده إنتو في أجمل أيام حياتكم». هل سمعت هذا من قبل؟ تلك الجملة المستفزة، كالكذبة المستفزة (عام الشباب). هذه الجملة بمثابة الإهانة، فكيف يحدث لنا هذا وتكون أجمل الأيام؟ فهي فيها تحقير من الكوارث التي تحدث، وكأنها شيء طبيعي، أو أمور تقليدية، تلك التي فصلنا عنها الصدفة. الصدفة في أن تأتي الرصاصة في عبد الله يوم الفض ولا تأتي في آخر، أن يُعتقل ياسين في طريقه لامتحانه ولا يعتقل زميله الذي يليه في ترتيب أرقام الجلوس، وشوكان الذي لو كانت له جنسية دولة أجنبية تدعمه لكان خرج كما لعبت الصدفة في صالح المصوريّن زملائه!

 ياسين صبري.. أيوب المعتقلين

في يوم السبت (21 مايو) انتظر عدد كبير من شباب العشرينيات قاضي النقض بقلق يملأ عيونهم يراه الأعمى، وضربات قلوبهم مسرعة من الخوف يسمعها الأصم؛ منتظرين القرار. هل سيقبل القاضي النقض؟ ويعود الأمل لياسين مرة أخرى. هل يمكن أن يخرج ياسين؟ ويكمل دراسته المتوقفة منذ عامين. كان هذا لسان الحال ذلك اليوم، حتى خرج قرار القاضي بقبول النقض على حكم الحبس بثلاث سنوات و100 ألف جنيه غرامة ضد ياسين. ليحدد جلسة 4 يونيو للفصل في القضية.

إنه (ياسين صبري) المُعتقل منذ يوم 14 يناير 2014 مع مجموعة من طلاب جامعة الأزهر، قُبِض على ياسين وهو في طريقه إلى امتحانه بكلية التربية، وكان يحمل بيديه رواية لنجيب محفوظ، وحكم عليه بالسجن 3 سنوات والغرامة. يقضي ياسين الآن عامه الثاني في سجون النظام، بسبب ماذا؟ لا شيء، فقط بسبب الصدفة التي جعلته متواجدًا هناك وقتها.

شوكان.. الكاميرا محبوسة

في اليوم نفسه أيضًا، ولكن أمام محكمة أخرى، وقف المصور الصحفي الشاب (محمود أبو زيد شوكان) أمام القاضي ليتحدث عن أسباب سجنه، تحدّث شوكان عن اعتقاله يوم مذبحة رابعة، التي مرَّ عليها أكثر من 1000 يوم، ليسأل القاضي – فهو لا يعرف – لماذا هو محبوس طوال هذه الفترة؟! فهو لم يرتكب أي جريمةٍ، باعتباره مصورًا صحفيًّا نزل – طبقًا لرغبة الأجهزة الأمنية من الصحفيين – لتصوير وقائع عملية الفض، وتوثيق الأحداث، فاعتُقِل واتُّهِم في قضية فض رابعة.

وتحدّث عن زميليه المصوريْن الصحفييْن الأجنبيين اللذين تم إخلاء سبيلهما في نفس القضية، وكانا متهميْن بنفس الاتهامات معه، وهما خرجا وهو لا، لماذا؟! هو لا يعلم، ربما بسبب تأدية واجبه باعتباره مصورًا صحفيًا، وأيضًا لأنه مصري؛ فليس له دولة أخرى تدعمه وتطالب بحقه.

بديوي.. وتهمة من الخيال

في شهر يونيو أيضًا جلسة (أحمد بديوي) الطالب بالفرقة الرابعة بهندسة الأزهر، أو هكذا كان، المعتقل منذ أكثر من 1000 يوم، في أحداث مسجد الفتح، ويتم تأجيل الجلسات بالشهور في قضيته.

جلسة النطق بالحكم في قضية بديوي ستكون يوم 29 يونيو بعد تأجيلها أكثر من مرة لأسباب أمنية، نأمل أن يخرج بديوي قريبًا ليكمل عامه الأخير في الجامعة، وينهي مشروع تخرجه المتوقف منذ اعتقاله. وربما يقضي بديوي فترة أطول في السجن بسبب اللاشيء الذي فعله بعد النطق بالحكم – لا قدر الله – ويكمل أجمل أيام حياته مسجونًا.

العشيري.. 3 مرات للمستشفى بسبب التعذيب

وفي السياق نفسه (أحمد العشيري) الطالب بهندسة الفيوم، اعتُقِل في آخر يوم امتحانات الفصل الدراسي الأول، ظل مختفيًا قسريًا لمدة شهر، عُرِفَ بعدها أنه ذهب للمستشفى 3 مرات خلال فترة الاختفاء بسبب التعذيب في مبنى الأمن الوطني؛ للاعتراف بأشياء لم يرتكبها، ظهر أحمد في النيابة لنجد أنه مُتّهم بالانضمام إلى جماعة (داعش) الإرهابية!

يُجَدَّد الحبس باستمرار لأحمد الذي كان من المفترض أن يحضر حفل التخرّج مع دفعته منذ أيام؛ ولكنّه لا يستطيع، وأيضًا زميله (عبد الله أبو بكر) لا يستطيع؛ لأنه توفِّي شهيدًا في مذبحة رابعة، برصاصة ظل ينزف بسببها حتى الموت.

«للتذكرة: الاختفاء القسري طبقـًا لاتفاقية المحكمة الجنائية الدولية جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم».

طلاب طنطا.. تيران وصنافير مصرية

أما في سياق جديد (أحمد أبو ليلة) والأخوان سمير (إبراهيم، وعبد الرحمن) الطلاب بجامعة طنطا، الذين اعتُقِلوا من منزلهم بعد مسيرة في الجامعة ضد التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين.

يُجدَّد حبسهم باستمرار ويُرفض استئنافهم على قرارات الحبس دائمًا، في إصرار من الدولة على أن يقضوا جزءًا من أجمل أيام حياتهم في السجن بسبب رفضهم التنازل وخيانة أرض الوطن.

إسلام عطيتو.. جثة هامدة بعد الخطف

ويصُعب التحدث عن أمثلة كهذه ولا نذكر (إسلام عطيتو) الطالب بهندسة عين شمس، الذي اعتُقِلَ في آخر يوم في امتحانات العام الماضي، واختفى قسريًا بضعة أيام، عُثر على إسلام بعدها جثة هامدة، مقتولًا بسبب التعذيب الذي تعرّض له بعد اعتقاله. أجمل أيام حياته، أليس كذلك؟!

إذا كان ياسين، وشوكان، وبديوي، والأخوان سمير، وأبو ليلة، والعشيري، وعبد الله، وعطيتو، وغيرهم – الذين ربما نحتاج مُجلّدًا كبيرًا لنحكي عنهم – حدث لهم كل هذا وهم في شبابهم، أجمل أيام حياتهم، أو هكذا يَزعمون، فكيف هي أسوأ أيام حياتهم إذًا؟! ربما أن تُقصف منازلهم مثل بشار في سوريا، والسيسي في سيناء؟ الذبح كما تفعل داعش؟ الحرق في أفران كبيرة كما فعل هتلر باليهود؟ أو كما حدث في محاكم التفتيش في الأندلس؟ ربما!

وفي النهاية؛ إن قابلت أحدهم ذات يوم وقال لك «إن هذه هي أجمل أيام حياتك» ربما وقتها سيكون الرد عليه بجملة «يا راجل بطّل بقى، ده أنت كداب كدب الإبل» هي أقل واجب يمكن فعله، على الأقل أفضل من البصق عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أيام
عرض التعليقات
تحميل المزيد