إن من أقبح الأشياء التي نفعلها؛ هي ما نفعله على سبيل العادة والتقليد، وتزداد قبحًا كلما تعارضت مع الدين أو العقل، وكما أن هنالك عادات وتقاليد نراها سلوكًا مشاهدًا، فإن هنالك عادات وتقاليد متوارثة على مستوى العقول والطريقة التي تعمل بها؛ وهي الأفكار، ومن الأهمية بمكان أن ندرك ونتوقف عند «برامجنا الفكرية العقلية» –إن جاز التعبير- وفهمها وفرزها والتمييز بين خيرها وشرّها، فنُبقي النافع منها ونستغني عن الضّار، وإلا؛ ستكون النتيجة ومع تسارع الحياة فقدان برمجة خيّرة فينا أو تمسّك ببرمجة أخرى شريرة، والسبب في ذلك عدم وعْينا وإدْراكِنا لكل منها.

ومن الأمثلة على هذه «البرمجيات»: «ولدتُ فقيرًا وسأبقى فقيرًا»، أو «الحياة للأقوى» أو «العمل ملل، ولا يوجد عمل به شغف»، «الزّواج يقتل روح الحياة ولا يوجد زواج سعيد». بلا شك أن كل هذه أفكار مضرّة لحياة الإنسان وجالبة لكثير من المشاكل، ولكن موعدنا في هذا المقال أن نتحدث عن أخطر برمجة داخل عقولنا، ولا أبالغ لو قلت أنها أصلٌ لكل ما فات من برمجيات وأفكار نعتقدها؛ ألا وهي: «الشقاء مفروض علينا، وأن القلق والمعاناة هو الوضع الطبيعي في حياة الإنسان»، وهذا من أضرُّ وأخْطر ما يمكن أن يعتقد. ولكن لماذا ذلك؟ تكمن الخطورة في اعتقاد هذه الفكرة بما سيترتب عليها من طرق تفكير وسلوكيّات، وتغيير للمفاهيم وعلى رأسها مفاهيم السعادة والطمأنينة والتفاؤل وكل معنى من شأنه أن يقلل أو يهوّن الشقاء والمعاناة والقلق في حياتنا، وهذا لوحده كارثة، أضف إلى ذلك الكم الهائل من القيود والمحددات التي سنضعها أمام أنفسنا لتحُوْل بيننا وبين ما نتمنّاه، وبالتالي تضييق الاحتمالات العديدة وتقليل الفرص الاختيارات الكثيرة، ومع مرور الوقت ودون أن نشعر نصبح مستعبدين لأفكار خاطئة تُسبب معاناتنا ونحن لا ندري.

 ولنخرج من إطار التنظير ونقرب الصورة أكثر؛ نضرب مثالًا سريعًا: لنفترض أن شابًا نشأ في بيئة بائسة وأسرة فقيرة، تسللت إلى عقله «البرمجية الخطيرة» وهي: «الحياة كلها شقاء»، تلقائيًا ستتشوه مفاهيم في عقلة عن السعادة والطمأنينة ولن يكترث أصلًا في تحصيلها وسيتشبث بكل نقيض لذلك، وسيفكر كالآتي: الشقاء = فقر. والفقر = راتب قليل. والراتب القليل = وظيفة بائسة؛ فينطلق للبحث عنها، ومن ثم سيجدها وسيظل في شقاء –ظاهري وباطني- هو يسعى إليه بنفسه. إن القيود والمحددات التي وضعها لنفسه كثيرة منها أنه لا يمكن له العمل بشركة كبيرة وبراتب كبير أو يحيا حياة أكثر راحة، وبالتالي قلل الفرص والاحتمالات وغيرها من الأمور التي تجلب له السعادة والرفاهية، وهذا ينطبق على كامل حياته واختياراته حتى في أبسط الأمور كالأكل والملبس واختيار العلاقات…إلخ.

 هذه العقلية أو «البرمجة الفكرية» الخاطئة والخطيرة ليست الوضع الطبيعي أو القدر المحتوم للإنسان، لأنها تفترض أن ما يحركه في الحياة هو الخوف والمنافسة والأنانية والاستئثار، ولأنه يقدم «فرضية الشقاء» فإن من معاني الشقاء في الحياة = قلة الموارد وعدم الوفرة في كل شيء، فسنجد الشخص يتصرف باضطراب لكسب وحيازة ما هو قليل أصلًا وغير متاح –والحقيقة منافية لذلك- وسيظل يعيش بنسخة الإنسان «ردة الفعل» وليس بنسخة الإنسان «الفعل»، وهذا الأخير هو الأصل. والسؤال البدهي هنا : ما هو البديل؟ أو ما هو الوضع الطبيعي؟ إن الأصل في الإنسان الشعور بالاطمئنان مهما يكن من حال ومهما تكن من ظروف، أن يكون متناغمًا مع روحه، أن يكون هو ذاته حقًا وعلى طبيعته الأصيلة، دونما تكلف أو وضع أقنعة، أن يكون في حالة سلام داخلية مهما يحدث في الخارج من أمور؛ ظاهرها أنها تهدد أمنه استقراره، وهذا يحتاج إلى «قوة نفس» وهي أن لا تسمح للمشاعر التي تنتابك إثْر أحداث خارجية لاختراقك ومن ثم توجيه وتحديد سلوكك وتصرفاتك التي لا ترضى عنها بعد ذلك.

إن تقديم فرضية الشقاء يجعل النفس تعمل بمبدأ العقل والمنطق فقط على العكس تمامًا حين نقدم فرضية «السعادة والاطمئان» والتي تعمل بمبدأ القلب والمشاعر، والأول هو ما يوقع النفس في القلق والتوتر، والناتجان عن تحليل وتفكير زائد، وعن وسفر بعيد وخلق سيناريوهات فكرية متخيّلة تحد من مقدار الفعل على أرض الواقع، وكل ذلك لا يعود بأي نتيجة إيجابية، ولأن هذا حال أغلب الناس جعلهم يجزمون أنه الحال الطبيعي، والحقيقة أنهم يعيشون في الاستثناء. بينما القاعدة، والأمر الطبيعي هو الشعور بالرضا والطمأنينة. وأخيرًا أقول: علينا أن نحيا بالتوازن بين العقل و القلب وأن نقدم فرضية «السعادة والاطمئان»، وإن الرجوع للحالة الطبيعية أمر ليس بالصعب، بل ممكن جدًا، فالسكون والاستقرار أمور متوافقة مع الفطرة البشرية وتطلبها، وتتشوّف إليها كل نفس تفهم معنى التزكية، ولكن ربما لم تهد للطريق الصحيح بعد، ولا ننسى أن التغيير على مستوى الأفكار مهم جدًا وهو بداية كل تغيير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد