اشتهر بعض الكتاب والأدباء بانتحالهم لأعمال الآخرين وسرقتها، ثم نسبتها إلى أنفسهم. وكثيرًا ما يتهم كاتب ما بانتحاله لأعمال غيره من الكتاب من باب الكيد له، وذلك لفداحة إلصاق السرقة الأدبية باسم أي كاتب؛ إذ لا تختلف عن السرقة المادية؛ لأن أصل التعدي على حقوق الآخرين واحد في الحالين، وهناك أسماء أدبية كبيرة اتهمت بالسرقة؛ هذه أشهرها:

الرافعي والعقاد

احتفظ تاريخ المعارك الأدبية بمعركة الرافعي والعقاد الشهيرة، والتي كان ابتداؤها باتهام العقاد للرافعي بتزوير تقريظ زعيم مصر سعد زغلول، ونشره في كتابه «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية» لترويج الكتاب. وهو ما قال فيه زغلول: «وأيد كتاب الرافعي بلاغة القرآن وإعجازه بأدلَّة مُشتقَّة من أسرارها، في بيانٍ يستمدُّ من رُوحها، بيانٍ كأنه تنزيلٌ من التنزيل، أو قبسٌ من نُور الذِّكر الحكيم».

فأَسرَّها الرافعي في نفسه، ثم لم يلبث أن رمى العقاد بسلسلة مقالاتٍ اتهمه فيها بانتحاله للشعر، وسرقته من الشعر العربي القديم، وجمع هذه المقالات في كتابه «على السَّفُّود» الذي لم يكن إلا ردًّا على اتهام العقاد له بانتحال تقريظ سعد زغلول.

يوسف زيدان

في حوار نُشر في جريدة «فيتو» المصرية صرّح الروائي التونسي كمال العيادي بانتحال الروائي المصري يوسف زيدان لرواية «عزازيل»، وأنه قام بسرقتها ونسبتها إلى نفسه، بقوله: «هي مسروقة نصًّا وموضوعًا من رواية «أعداء جدد بوجه قديم» للكاتب الإنكليزي تشارلز كينغسلي؛ المنشورة عام 1853م، والمشهورة باسم رواية هيباتيا».

ويضيف العيادي: «المدهش أن التفاصيل والبناء، وحتى الحوار منذ بداية الرواية، وحتى خروج الراهب هاربًا من الإسكندرية منقولة نصًّا من رواية كينغسلي؛ فكلا الروايتين متشابهتين في كل شيء؛ الشخوص أنفسهم، والإطار المكاني والزماني والأحداث نفسها؛ كل شيء في رواية عزازيل يطابق رواية هيباتيا، لم يزد عنه إلا المخطوط السرياني الذي أضافه عليها».

دانيال ديفو

استلهم الإنجليزي دانيال ديفو قصة روايته «روبنسون كروزو» من الرواية العربية «حي بن يقظان» لابن طفيل الأندلسي؛ وتحكي الرواية العربية عن شخص نشأ وحيدًا في جزيرة، وتناقش علاقته – حي بن يقظان – بالكون والدين في قالب فلسفي المضمون.

تُرجمت الرواية في أوروبا على يد إدوارد بوكوك في ١٦٧١م، وأثارت ضجة واسعة بين العلماء والفلاسفة، ثم اتسعت ترجماتها إلى اللغات الأخرى، وهذا الاهتمام لأجل الفلسفة؛ التي تناولت مقدرة العقل على الوصول إلى الخالق في عزلة كما في حالة بطل الرواية، واستُلهمت من رواية ديفو أعمالٌ مثل ماوكلي فتى الأدغال وطرزان.

تحكي الرواية عن ناجٍ من سفينة غارقة لجأ إلى جزيرة معزولة، ليعيش فيها 28 عامًا؛ هذا الاستلهام من رواية حي بن يقظان هو شكل تناصي يصنفه ابن الأثير ضمن السرقات الشعرية في كتابه «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»؛ إذ تكون السرقة للمعنى مع إحالة له عن النص المُستلهم منه، المسروق.

عائض القرني

سلطت الصحافة السعودية الضوء على قضية انتحال الداعية السعودي د. عائض القرني لكتاب الكاتبة السعودية د. سلوى العضيدان «هكذا هزموا اليأس»، وإعادة نشره بعنوان «لا تيأس»، وعقب نشر الكتاب لجأت الكاتبة السعودية إلى ساحة القضاء السعودي لاسترداد حقوقها الفكرية لكتابها الذي نشرته عام ٢٠٠٧م، وقدمت نسخة منه للقرني.

صرحت د. سلوي أن السرقة تمت نسخًا لتسعين بالمائة من كتابها، بما فيه الأخطاء المطبعية ومقدمة الكتاب، وكشفت عن تواصل عائض معها لتسوية ودية للخلاف بمقابل مادي ضئيل؛ فكانت المحاكمة، ليغرم عائضًا ٣٠٠ ألف ريال سعودي لصالحها، مع سحب الكتاب من السوق السعودي ومنعه؛ بصفته بضاعة مسروقة.

التقط الشاعر المصري سمير فراج موقف د. سلوى فرفع أيضًا دعوى ضد القرني لسرقته كتابه «شعراء قتلهم شعرهم»، وإعادة نشره بعنوان «قصائد قتلت أصحابها» وصرح فراج أنه اكتشف سرقة القرني لكتابه منذ ست سنوات، إلا أنه لم يقرر استعادة حقه إلا بعد علمه بقضية د. سلوى.

لم تقف قضايا انتحال القرني لكتب الآخرين عند هذا الحد، فسرعان ما صرح د. يمان الباشا صاحب دار «الأدب الإسلامي – القاهرة» بانتحال القرني كتاب والده د. عبد الرحمن رأفت الباشا «صور من حياة الصحابة» وإعادة نشر جزء منه بصورة حرفية في برنامج «هذه حياتهم»، ونسبته لنفسه دون ذكر لوالده المتوفى.

الطريف في الأمر أن د. يمان قال إنه فكر في كتابة عبارة «أكثر الكتب سرقةً» في أغلفة مؤلفات والده لكثرة السطو عليها، وكلف محامي د. سلوى العضيدان برفع قضية ضد القرني كما فعل الشاعر سمير فراج.

كانت هنالك إشارات سابقة مبكرة إلى نهج عائض في انتحال الكتب؛ وذلك حينما نشر كتابه الشهير «لا تحزن» عام ٢٠٠٢م؛ الذي حقق أعلى المبيعات؛ إذ دارت الشكوك حول انتحال القرني له من كتاب «دع القلق وابدأ الحياة» للأمريكي ديل كارينجي المتوفى عام ١٩٥٥م، مما دعا الكاتب «سيد أحمد الخضر» في الصحافة السعودية إلى أن يقول ساخرًا: «كان طبيعيًّا ألا يطلع ورثته على مؤلف بالعربية أصدره واعظ سعودي في مطلع القرن الحادي والعشرين».

وسيم يوسف

من أغرب قصص السطو الأدبي ما فعله الداعية الإماراتي وسيم يوسف من انتحال أربعين مقالًا للكاتب الفلسطيني أدهم شرقاوي من صحيفة الوطن القطرية، وإعادة نشر المقالات ببرنامجه «رحيق الإيمان» على أنها من تأليفه.

مما دعا شرقاوي إلى التغريد في تويتر بقوله: «أنا أكتب المقالات في الوطن القطرية وهو يسرقها ويجعل منها حلقات، أحييك شيخ وسيم على قدرتك التمثيلية؛ تقول الكلمات كأنها خرجت من قلبك فعلًا، هذا نموذج وهناك بقية ستأتي».

وجه الغرابة كان في رد وسيم يوسف بتغريدة قال فيها: «يكفيك شرفًا أني قرأت لك مقالًا، وإن اختلفت ألوان الكلاب فيبقى صوت النباح واحد».

فما كان من شرقاوي إلا إنهاء القضية بتغريدة: «قالت العرب: المرءُ يُعرف بخصومه، وأنا لا يشرفني أن تكون خصمًا لي، الموضوع انتهى هنا».

وأضاف: «سأطويك كما أطوي صفحةً غثيثةً في كتاب، وأتجاوزك كما أتجاوزُ حفرةً في الطريق، وعند الله تجتمع الخصوم يا وسيم، أو أقول لك: مسامحك، فلا أريد أن أجتمع بك، لا دنيا ولا آخرة».

ميرزا غلام أحمد

غلام أحمد هو مؤسس الفرقة القاديانية، وُلد في قرية قاديان بالهند وتوفي عام ١٩٠٨م. ادعّى أن الله أرسله وأنه المسيح والمهدي المنتظر، وألف كثيرًا من الكتب نشر فيها ما نسبه إلى الله مدعيًا أنه قد أُوحي إليه، رغم أنه لم يكن يجيد اللغة العربية، والغريب أن الوحي الذي نسبه إلى الله هو اقتباسات من كتاب مقامات الحريري، الكتاب الأدبي الشهير لمحمد الحريري البصري.

وقال عن أحد الذين ردوا دعوته من مسلمي الهند: «لو كان كالهمذاني أو الحريري فما كان في وسعه أن يكتب كمثل تحريري».

ولم تتوقف سرقاته عند مقامات الحريري، بل امتدت يده إلى غيرها من كتب الأدب والصوفية، وعندما اكتشف علماء البنجاب سرقاته تلك واجهوه وانتقدوا مسلكه، فأجابهم بأنه لم يسرق كل كتاب «مقامات الحريري»؛ فلذلك لا يُمكن أن تُعد فعلته سرقة أدبية!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد