أينما وجدت السلطة وجد الصراع، وأينما جاء الصراع جاءت الاغتيالات السياسية التي تغير مجرى التاريخ، بما فيها من دموية ووحشية، حتى وإن كانت على حق وليس الدافع السلطة فقط، وإنما هناك دوافع عرقية ودينية وطبقية أيضًا لها تأثير كبير في تحديد وجهة تلك الاغتيالات ومدى حدتها. لقد شهد التاريخ البشري سلسة لا نهائية من الاغتيالات السياسية، التي كان قانونها الأزلي يتكون من مادة واحدة تتكون من جملة واحدة «اقتل عدوك قبل أن يقتلك؛ فالغاية تبرر الوسيلة»، وإن كان ذلك المبدأ من أقذر المبادئ التي عرفتها البشرية، والذي جناه علينا مكيافيللي، ولكن في النهاية كان ذلك هو المنطق السائد واللغة الوحيدة التي يتم التعامل بها، والتي لا تفرق بين أي من اللاعبين على خشبة المسرح السياسي في أي زمان ومكان.

ولم تقتصر تلك الاغتيالات على رؤساء أو حكام، إنما جاءت بمفكرين وعلماء وفلاسفة أيضًا، وتشير الأرقام إلى أنه خلال النصف الأخير من القرن العشرين فقط ذهب 78 من رؤساء العالم ضحية الاغتيال السياسي، والمفاجأة التي تؤكدها الدراسات والبحوث الأكاديمية أن الدول العربية كان لها نصيب الأسد من تلك الاغتيالات بواقع 21 رئيسًا و19 رئيسًا في القارة الآسيوية، وستة فقط من أمريكا اللاتينية.

يقول عبدالله القصيمي:

كل جماعة تستطيع أن تتوتر، ومن ثم تحول توترها إلى مظاهرة أو ثورة أو اغتيال، أو إلى شعارات تنادي بالقيم، لكن من الصعب أن تتحول إلى ذكاء أو إبداع أو فضائل أخلاقية.

ومن هنا فالاغتيالات كانت الحل الأمثل والأبسط في عالم تسوده القوة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لننظر إلى مرحلة ما يعرف تاريخيًا «الحرب الباردة» والتي تغيرت فيها موازين القوى كثيرًا ونافس فيها عنف المنظمة عنف النظام، بل تخطاه وأصبح قتل الأبناء وتدمير المباني أسهل وأيسر من اغتيال الرؤساء أو الشخصيات المهمة.

أبعاد سيكولوجية

إن البعد السيكولوجي لتلك الاغتيالات ناتج عن السلوك العدواني والعنف بين الفرد والمجتمع بصورة عامة بعد أن تتلاشى لغة الحوار والتفاهم بين أفراد المجتمع، وهي تجسيد حي لحالة الخواء الفكري والنفسي لمرتكبي هذه الجرائم، والتي لا تمتلك أي أدوات مقنعة لتحقيق أهدافهم؛ فيسعون إلى إزالة الآخرين وتصفيتهم جسديًا، وغالبًا أيضًا ما تكون الحالة النفسية للقاتل تعبر عن شخصية مضطربة نفسيًّا أو عقليًّا أو اجتماعيًّا أو أخلاقيًّا على الأقل.

لماذا الاغتيال السياسي؟

إن ذلك السؤال احتار فيه العلماء والمفكرين والفلاسفة وصيغت فيه الأبحاث والمحاضرات دون الوصول إلى سبب حقيقي أو تفسير يمكن الاستناد إليه لتلك الظاهرة. وإن كان التفسير الأقرب للحقيقة هو الصراع على السلطة وعدم وجود الأدوات المقنعة لتحقيق ذلك غير التصفية.

أشهر الاغتيالات السياسية

أول جريمة اغتيال في التاريخ

حين قتل قابيل أخاه هابيل لأنه أراد أن يتزوج من أخته من البطن نفسها، ولكن كان من المعروف أن سيدنا آدم يزوج ذكر كل بطن بأنثى البطن الأخرى، ولذلك كان ممنوعًا على قابيل ذلك؛ فطلب منهم أن يقدم كل منهما قربانـًا فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فقام قابيل بقتله حتى يتسنى له أن ينكح أخته. يقول الله تعالى: «فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين»، فكان المتهم الرئيسي في تلك القضية هي النفس وليس الشيطان، ومن هنا نستطيع أن نستشف سببًا مهمًا للاغتيال، وهو عند غياب الأدوات المقنعة للوصول للهدف لا يوجد أمامنا إلا القوة لاستخدامها للحصول على ما نريد، ولذلك فإن كل جريمة تحدث في الكون يكون لقابيل نصيب منها.

عائلة غاندي في الهند

شبه القارة الهندية هو وطن يتنفس الاغتيالات ويعيش على دم قاداته، قديمًا كان يضم «الهند- باكستان- إقليم كشمير- أفغانستان – سيريلانكا- نيبال- بنجلاديش – بوتان» منذ تركت بريطانيا المنطقة وبدأ تقسيمها على النحو الحالي، ولقد شهدت أبشع وأكثر الاغتيالات السياسية، فقد اغتيل مهاتما غاندي الذي كان يقال إنه كان مناصرًا للحركة الوطنية، وساهم في خروج المحتل.

ثانيًااغتيال رئيسة الوزراء الهندية أنديرا غاندي عام1984

ويشير المحللون إلى أن عمليات الاغتيال بدأت في الانتشار بعد الاستقلال الوطني في القرن الماضي، وبرغم تلك المنطقة شهدت استقلالها وبدأت تختار حكومتها كما تشاء، فإن تلك الاغتيالات جاءت من قبل جماعات ظنت أن الديمقراطية قد تجاهلتها.

ثالثًا: اغتيال راجيف غاندي

وقتل عندما نسفت انتحارية تنتمي لـ«نمور التاميل» في سيرلانكا نفسها عندما كان يريد إلقاء كلمة فيه في ولاية غاناي في جنوب الهند 21 مايو 1991.

سيرلانكا وتاريخها الحافل بالاغتيالات السياسية 

لدى سيرلانكا تاريخها من حيث الاغتيالات، ففي عام 1959، قتل رئيسها «سولومون باندرانيكا» على يد راهب بوذي في كولومبو ومن بعدها توالت العمليات الانتحارية والاغتيالات التي اجتاحت البلاد من شرقها لغربها، وقتل هائل من الشخصيات السياسية، ومن بعدها تم اغتيال ثالث رئيس لجمهورية سيرلانكا «راناسينج برماداسا» على يد انتحاري ينتمي لنمور التاميل في العاصمة كولومبو خلال احتفال جماهيري.

في عام 1994، تم قتل المرشح الرئاسي «جاميني ديساناياكي» في عملية انتحارية مشابهة لسابقتها وبعدها بخمس سنوات أي عام 1999نجت الرئيسة «تاندريكا كوماراتونا» بأعجوبة من محاولة اغتيال مماثلة؛ لذلك تعد سيرلانكا من أكثر الدول التي تعرضت للاغتيال.

بنجلادش ثالث أكبر دولة إسلامية

هي أيضًا لها تاريخها من الاغتيالات السياسية فقد قتل مؤسس البلاد وأول رئيس وزراء الشيخ «مجيب عبد الرحمن» في واحدة من أسوأ حوادث الاغتيال في 15 أغسطس 1975 عندما دخل عليه جندي متهور وقتله هو و20 من أفراد أسرته وقد نجت ابنته الشيخة «حسينة واجيد» رئيسة الوزراء السابقة والشيخة «ريحانة» التي كانت في زيارة لألمانيا الغربية في ذلك الوقت.

ثم جاء بعد ذلك الرئيس العسكري «ضياء الرحمن» الذي يتهم بأنه وراء المذبحة، ولكن تم اغتياله أيضًا على يد ضباط الجيش في بلدة «تشياجونج» في 29 مايو عام 1981 وليست الأسر السياسية فقط هي التي تعرضت للتصفية؛ ففي نيبال، وهي دولة خالية من السواحل تقع وسط جبال الهيمالايا بين الهند والصين، وقعت مأساة قومية باغتيال 10 أفراد من الأسرة المالكة بمن فيهم الملك «بيرندرا» في القصر الملكي عام 2001 على يد ولي العهد الأمير «دبندرا» الذي قتل هو أيضًا.

أفغانستان وكر للاغتيالات

اغتيال نائب الرئيس في الحكومة الأفغانية «عبدالقادر» عام 2001 بإطلاق النار عليه.

وفي سبتمبر 1996، شنقت ميليشيات طالبان الرئيس السابق «نجيب الله» وشقيقه.

وتغدو قضية الاغتيال السياسي على الدوام تصريحًا مشتركًا بين القاتل والضحية، ويجري الاعتراف بالمسألة في ضوء الأحداث الأخيرة، فلو أن «بي نظير بوتو» اختارت الباء في المنفى كانت ستبقى حية ولكنها وقعت البيان في اللحظة التي عادت فيها إلى باكستان، ولنأخذ مثالًا آخر، فلو أن أنديرا غاندي كانت قد أصغت إلى بعض مستشاريها الأمنيين وسرحت حراسها السيخ لكانت قد نجت من الموت.

ولا شك أنه لا توجد دولة ضائعة بعينها في دنيا الاغتيالات، وإنما هي مقتطفات لمعرفة إلى أي مدى من السوء قد وصل التاريخ البشري، وسنتحدث بعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

اشهر لاغتيالات السياسية لعصام عبد الفتاح
الارهاب المرفوض والارهاب المفروض للاستاذ حسن دوح
المقالات المحظورة للاستاذ فهمي هويدي
الصحافة والاقلام المسمومة للاستاذ انور الجندي
عرض التعليقات
تحميل المزيد