معرض بتكساس الأمريكية يتسابق فيه الرسامون برسومات للنبي محمد صلي الله عليه وسلم، كحلقة جديدة من البلطجة الأمريكية على معتقدات ومقدسات الشعوب الأخرى، ويندرج ذلك المعرض تحت ما يسمي “بحرية التعبير”!

ولا ندري من أي فلسفة درسها الأمريكان تعلموا السب والإساءة للمقدسات، فإن حق أي إنسان أن يعتقد ما شاء دون الاعتداء عليه أو تسفيه أفكاره أو السخرية منه طالما لم يسئ لغيره، وحول هذا المعنى يدور ستيوارت مل في كتابه “عن الحرية”.

أما ما يفعله الأمريكيون من إساءات متكررة لدين المسلمين ونبيهم فليست أكثر من حالة نفسية عصيبة جراء العجز الذي يشعر به الأمريكيون تجاه هذا الدين، وفشلهم فيما هم عليه من معتقد، ألا ترى أن أكثر أفلامهم تسب “المسيح” عليه السلام، ويصرّح أبطالها بعدم إيمانهم بإله وإنكار وجوده!

وإلا فما يفسر الهجوم على دين بعينه تقل نسبة معتنقيه بكثير عن نسبة العلمانيين والملحدين، فضلا عن الديانة الرئيسية والرسمية هناك!

صحيح أن أمريكا استطاعت أن تطوّع الحياة المادية وترتقي فوق الهرم الإنساني بقدر ما استطاعت أن تتحلل وتنخلع من الأخلاق العامة، وبقدر ما استطاعت أن تنحدر عن الإنسانية وتتشبه بأخلاقيات الحيوانات بما فيها من خسة ووضاعة فاستباحت دماء الشعوب منذ فجر تاريخها الأول وحتى الآن، إلا أنها لازالت تعاني – نفسيا – مشكلة الانفصال عن الدين والقيم والأخلاق، والتي تدفع نسبة كبيرة من الشعب الأمريكي إلى الانحراف عن جادة الإنسانية وإلى الانتحار، ثم تجد نفسها عاجزة أمام تلك التصرفات التي لا يستطيع القانون السيطرة عليها أو الحد منها، فهي تصرفات ليست في نطاق القانون لأنها موضوع الدين.

ولمّا كانت أمريكا تلحظ تمدد الإسلام وانتشاره بين الصفوف، قامت الحملات للتشنيع عليه وعلى معتنقيه تحت مسميات عدة كـ “مقاومة أسلمة أمريكا” والتي يقام المعرض كإحدى فعالياتها!

وهنا لا تعرف أمريكا معنى للحرية الشخصية واحترام مقدسات الآخر طالما كان المعتدَى عليه هو “الإسلام”، ومن العبث أن تُطَالب الإدارة الأمريكية بوقف هذه الهجمة اللاأخلاقية على الإسلام ونبيه، لأنها دائما من تغذي “الإسلاموفوبيا” لدي الشعب الأمريكي والعمل على تضخيم العداء ضد المسلمين في كافة أرجاء العالم لخدمة مصالح سياسية خارجية تبيح لها غزو الشعوب واحتلال أراضيها وسلب خيراتها تحت مسمى “الإرهاب الإسلامي”.

وما حديث البيت الأبيض عن ضرورة فتح حوار مع العالم الإسلامي إلا كذبة تفضحها الأحداث المتوالية من قبل الإدارة في الداخل الأمريكي ضد المسلمين، ومدى الصلف الذي تعاملهم به إن أرادوا بناء مسجد أو مركز إسلامي.

وذلك ليس غريبا على “المسيحية الغربية” وخاصة طائفة البروتستانت التي أتى منها أغلب روؤساء أمريكا، ولكن المستغرب ذلك الصدق الذي نقابل به تصريحات الإدارة الأمريكية عن مدي احترامها للإسلام ودفاعها عن المسلمين كما فعل أوباما في حديثه المشهور بعد أحداث شارلي إبدو.

بل إن الإدارة الأمريكية حريصة دائما على الدعم الشامل والاحتفاء بكل من تهجّم على الإسلام ونال منه، فنحن لا ننسى احتفاء “كلينتون” بسلمان رشدي واستقباله له في البيت الأبيض، ثم تصريح كلينتون بعد الزيارة أنها كانت مساندة من أمريكا لحرية الكلمة!

في الداخل الأمريكي ليس هناك شيء خارج عن السيطرة، وبالطبع فالصحف والقنوات التليفزيونية في منتصف القبضة، وتعمل كثير من هذه الصحف علي تأييد وجهة نظر البيت الأبيض وسياسته سواء داخليا أو خارجيا، وتكون حرية الصحافة فقط في الصياغة والأسلوب.

ويقع المواطن الأمريكي تحت هيمنة الآلة الإعلامية والدعائية الفارمة التي تستحوذ على تفكيره ولا تدعه لبرهة خارج إطارها وأضوائها ليفكر قليلا فيما تصدّره إليه، هذا إذا أخذنا في الاعتبار أن المواطن الأمريكي هو أقل الشعوب ثقافة ومعرفة.

“في أوائل فبراير عام 1996، وصفت صحيفة واشنطن بوست الشعب الأمريكي بأنه (أكثر الشعوب جهلا على وجه الأرض). فقد أوضحت نتائج سلسلة من الاستطلاعات أجرتها جامعة هارفارد والصحيفة المذكورة، أن واحدا من كل ثلاثة أمريكيين يعرف أن زعيم الأغلبية هو (روبرت دول) برغم أنه سياسي مخضرم، وأحد أبرز المرشحين لسباق الرئاسة الذي يجري في نهاية العام.

وأن من يعرفون أن (نيوت جنجريتش) هو رئيس مجلس النواب أكثر قليلا من نصف الأمريكيين”.

كذلك جاء في الأهرام 26/2/1996 أن اتحاد المدرسين رفع قضية أمام المحكمة الفيدرالية في كاليفورنيا يطالب بإلغاء قرار مجلس الإشراف على المدارس والتعليم في الولاية، الذي يقضي بضرورة اختبار المدرسين قبل تعيينهم، وذلك بعد أن رسب 50,000 مدرسا في اختبار المعلومات والقراءة”.

ونشرت مجلة النيوزويك كاريكاتيرًا عن عائلة أمريكية تشاهد التليفزيون، يعتقد بعضها أن ما يشاهده هو مسلسل أمريكي يسمي “سينفيلد”، فقال أحدهم مصححا إن ما يشاهدونه هو برنامج عن مشكلة الشرق الأوسط”!*

فأن تصف صحيفة كواشنطون بوست الشعب الأمريكي بأنه أكثر الشعوب جهلا على وجه الأرض، فإننا نرى أن ما تفيض به الصحف والأفلام الأمريكية باتهام المسلمين والعرب بالجهل والتخلف خليقا بالشعب الأمريكي، وأن ما تصور به العرب والمسلمون من إرهاب وهمجية وغيره لهي أوصاف جديرة بالإدارة الأمريكية على مر تاريخها.

فنرجو ألا تقف الحكومات العربية ساكنة هامدة دون رد سياسي حازم على تلك التصرفات الأمريكية المهينة صيانة لدينهم وصيانة للشباب حتى لا يندفع في طريق آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد