تعرض العالم الإسلامي على مدار التاريخ لعدد كبير من الأوبئة والطواعين، وقد كثرت تلك الطواعين في الدولة الأموية وكانت أحد أسباب سقوطها، وقلت في الدولة العباسية، إلا أنه لا يمر عدد من السنوات إلا ويسجل المؤرخون طاونًا أو وباءً في أحد أجزاء الدولة الإسلامية. ولم يقف المسلمون مكتوفي الأيدي حول تلك الطواعين، بل وضعوا بعض الاحترازات الكثيرة وقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بأول هذه الاحترازات من خلال الأحاديث الكثيرة حول الطواعين والأوبئة.

أهم الطواعين والأوبئة على مدار التاريخ الإسلامي

    1- طاعون عمواس

يذكره المؤرخون على أنه أول طاعون في الإسلام، وكان في السنة الثامنة عشر من الهجرة، بدأ من جهة الأردن في منطقة عمواس، ولهذا نسب إليها، إلا أنه انتشر في منطقة الشام كاملة، ويذر المؤرخون أنه من أعظم الطواعين التي مرت بعد الإسلام، واختلفت المصادر في تقدير عدد القتلى فبعض المصادر خمس وعشرين ألفًا، وبعضها 30 ألفًا، وكان من بينهم عدد كبير من مشاهير الصحابة، كعبد الله بن الجراح، ومعاذ بن جبل، يقول الطبري عن هذا الطاعون: «لم ير مثله، طمع له العدو في المسلمين، وتخوفت له قلوب المسلمين، كثر موته، وطال مكثه، مكث أشهرًا حتى تكلم في ذلك الناس».

 2- طاعون الجارف

كان في السنة التاسعة والستين من الهجرة، بدأ في البصرة، وينقل الذهبي عمن أدرك هذا الطاعون قوله: «كان ثلاثة أيام، فمات في كل يوم نحو من 70 ألفًا»، وقد مات لأنس بن مالك الصحابي المشهور 70 ابنًا كما ذكر المؤرخون حتى أنه تقريبًا لم يبق إنسان في البصرة، ومن كثرة الموتى كان دفنهم مشقة كبرى، حتى أن عبيد بن معمر والي البصرة لما ماتت أمه لم يجد من يحملها.

3- طاعون الفتيات

كان في سنة السابعة والثمانين من الهجرة، وقد سمي «الفتيات»؛ لأنه أول ما بدء بهن، وقد بدأ من البصرة أيضًا، واستمر بالانتشار إلى واسط والكوفة، ووصل حتى الشام وتسميه بعض المصادر بطاعون الأشراف، لكثرة ما قتل منهم، ولا يوجد تقدير لعدد القتلى في هذا الطاعون.

4- طاعون سلم بن قتيبة

كان في سنة 130 من الهجرة، وبدأ في شهر رجب، ووصل إلى الشام، يقول المدائني عن هذا الطاعون: «كان هذا الطاعون في رجب واشتد في رمضان. وكان يحصى في سكة المربد كل يوم 10 آلاف جنازة أيامًا» ومن الأرقام التي أعطتها كتب التاريخ نظن أن من قتل في هذا الطاعون يتجاوز 140 ألفًا.

5- وباء سنة 49

في سنة 749 من الهجرة كان هناك طاعون عظيم في مصر، وانتشر في أرجاء الدنيا، حتى وصل إلى الأماكن المقدسة، ووصل إلى الشام، ويذكر مؤرخو الشام هذا الطاعون بأنه طاعون الشام، فقد حصد في الشام وحدها ما يقرب من 30 ألفًا.

6- طاعون سنة 833

في سنة 833 حدث طاعون عظيم في جوار القاهرة وما حولها، ويسجل ابن تغرب بردي أنه في القاهرة واحدها قتل ما يقرب من 100 ألف إنسان، وقد تطاول هذا الطاعون حتى وصل إلى الشام، حتى أنه وصل إلى البصرة أيضًا حتى أن الحيوانات والأسماك في البحار تأثرت بها الطاعون كما يخبرنا ابن تغرب بردي.

7- الطاعون الأعظم

في سنة 1215 حدث طاعون عظيم جدًا، بدأ في أرض الأناضول واستمر حتى وصل إلى مصر، حتى أن الناس كادت تنفنى على حد عبارة المؤرخين، وقد أغلقت جيمع الأسواق، وقلت الأكفان، وأبقى الناس في فاقة كبيرة، ويقول الجبرتي: «ولقد مكثت شهرًا بدون حلق رأسي لعدم الحلاق.. وتعطلت المساجد من الأذان والإمامة لموت أرباب الوظائف واشتغال من بقى منهم بالمشي أما الجنائز والسبح والسهر وتعطيل الزرع من الحصاد ونشف على وجه الأرض وأبادته الرياح لعدم وجدان من يحصده وعلى التخمين أنه مات الثلثان من الناس».

أهم التدابير المتخذة للوقاية من الأوبئة

1- تعليمات النبي صلى الله عليه وسلم

تحدث النبي – صلى الله عليه وسلم – عن الطاعون والأوبئة في عدد من الأحاديث، فقد بين أسبابها، وماذا نفعل أثناء وقوعها، وماهي عاقبة من يموت بها، فمن أسبابها كثرة الفاحشة والفحش بين الناس(رواه ابن ماجه)، وقد بين أهم قواعد الحجر الصحي بقوله: «إذا سمعتم به بأرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض، وأنتم بها فلا تخرجوا، فرارًا منه» (رواه البخاري) وقد طبق هذه الإجراءات عمر بن الخطاب والصحابة في طاعون عمواس، فلم يدخل عمر إلى الشام ولم يخرج الصحابة منها (رواه البخاري) كما بين النبي أن مات بسبب الطاعون أو الوباء فإن له أجر الشهيد (رواه البخاري).

2- عدم الغزو

في السنوات التي تحصل فيها الأوبئة أو الطواعين لا يخرج المسلمون إلى الغزو، فالجهاد يحتاج إلى القوة، وقد استفاد الأعداء من ذلك في بعض الأحيان.

3- الذهاب إلى القرى والأرياف

تتتميز الأرياف والقرى بنظافة هوائها، وطيب طعامها، كما يقل فيها الازدحام، ومن هنا كانت مكانًا مناسبًا للهروب من الأوبئة والطواعين أثناء حدوثها، وقط طبق هذا الأمر في طاعون عمواس، فقد قال عمر بن العاص للناس باللجوء إلى القرى والجبال المجاورة للشام ودفع البلاء، كما أن الأمراء الأمويين كانوا يذهبون إلى الرصافة لبعدها ولنقاء هوائها أثناء الأوبئة والطواعين التي حدثت في عهدهم.

4- كثرة الدعاء والصلوات

كان المسلمون دائمًا في أوقات الشدة والأوبئة يرفعون أيديهم تضرعًا إلى الله برفع البلاء، وقد كان أول من فعل هذا النبي صلى الله عليه وسلم، فبعد الهجرة حدث ما يشبه الطاعون في المدينة فضعف الصحابة فدعا النبي بنقل الوباء إلى الحجفة (النسائي)، وقد تكرر هذا الأمر كثيرًا عبر التاريخ، فمثلًا: في طاعون 833 أمر السلطان بالدعاء والتوبة والتضرع إلى الله لرفع هذا البلاء، وفي طاعون 552 خرج الناس إلى المصلى للدعاء والتضرع إلى الله لرفع ما نزل بهم.

5قراءة القرآن.. وقراءة البخاري

وإلى جانب الدعاء والتضرع إلى الله كان المسملون دائمًا ما يقرأون القرآن ونشهد هذا الأمر خصوصًا في القرن الثامن الهجري. مثلًا في سنة 799 ونتيجة لوباء في مصر اجتمع الناس لقراءة القرآن والدعاء أما قراءة البخاري فقد أصبحت قراءته عادة في وقت المحن والشدائد في وقت فيما قبل ابن حجر بقليل كما يفهم من المصادر التاريخية، ففي سنة 841 قرأ البخاري على نية رفع البلاء وفي سنة 748 ونتيجة لواء في الشام اجتمع الناس في جامع الأموي الكبير تحت قبة النسر يقرأون البخاري.

1- نصائح الأطباء المسلمين

نتيجة لكثرة الأوبئة في العالم الإسلامي حمل العلماء المسلمون هذا الأمر على محمل الجد، فألفوا عددًا كبيرًا من الرسائل والكتب عن موضع الطاعون والأوبئة، منها ما يتعلق بالطب، ومنها ما يتعلق بأحكامه الدينية والأخروية، وأهم الطواعين التي مرت على العالم الإسلامي، وقد فاقت تلك الكتب الثمانين، ومن النصائح التي أعطاها الأطباء المسلمون الرياضة فالرياضة تنشط الجسم وتمنع الأمراض، وبعض الأطباء نصح بالذهاب إلى القرى والأرياف وأكل البصل والثوم والسمن الطبيعي، كما أوصى بعضهم بأكل الليمون، أو غليه، أو أكل قشره أيضًا.

ومن هذا نرى أن المسلمين قد اتخذوا عددًا من الإجراءات الوقائة التي حاولوا من خلالها الحد من تلك الأوبئة التي كانوا قد تعرضوا إليها بكثرة، ويشهد على ذلك كثرة الكتب المؤلفة في هذا الموضوع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد