مقدمة

«رسائل إلى روائي شاب» هو كتاب للحائز على نوبل «ماريو بارغاس يوسا»؛ ويوجه فيه بأسلوب المخاطب أهم النقاط التي يجب على الكُتّاب الشباب اتباعها، بداية من أهم عناصر الرواية، إلى بعض التقنيات التي يستخدمها الكُتّاب لزيادة تأثير واقعية أعمالهم، يقع الكِتاب في اثني عشر فصلًا، وهو مليء للغاية بالأمثلة فلا يعطي معلومة إلا ويدعّمها بالأمثلة من الأدب اللاتيني والأدب العالمي. حاولتُ تلخيص الفكرة العامة لكل فصل، وهو بالتأكيد لا يغني عن قراءة الكتاب الذي يسهب في الشرح، ولكن لتكوين فكرة سريعة عن المحتوى.

الرسالة الأولى: الدودة الوحيدة

في الفصل الأول يتحدث «يوسا» عن الميل الأدبي، ويستبعد أن يكون الميل الأدبي هو شيء فطري يُولد به الشخص، فلا يمكن تخيل أن طفلًا يعد نفسه لتخيل عوالم وشخصيات متداخلة للاستعداد لكتابة رواية، بل الميل الأدبي من رأيه يبدأ من التمرد البسيط، حيث لا يعتبر الكُتّاب أنفسهم بالطبع متمردين، ومغيرين لعالمهم، بل الفكرة تنبع من التمرد على عرف اجتماعي أو غضب مكتوم، يتم تحويله فيما بعد إلى خيار حر للكتابة، ثم إلى ميل أدبي.

اعتبر الكَاتِب الكتابة ليست تزجية للوقت، أو فراغًا، بل هي أقرب إلى العبودية!

إن الميل الأدبي إذا ما قبله الكَاتِب فإنه يحتم عليه الالتزام العميق به، وضرب مثلًا بصديق كاتب؛ قام بابتلاع دودة لتقوم بخفض وزنه، ورغم أنها قامت بالمهمة إلا أن المعاناة الناتجة شديدة؛ مما تفعله هذه الدودة في أحشائه، وبالنسبة لـ«يوسا» فإن قرار الكتابة أو الميل الأدبي هو قبول هذه المعاناة والتعايش معها للأبد.

الرسالة الثانية: الكاتوبليباس

الجميل في كتاب «يوسا» هو أنه مليء بالأمثلة للشرح، وقد يعتمد فصلًا كاملًا على شرح رواية ما؛ ليستخلص منها نظرية ما، والمثال الأول الذي ضربه في هذا الفصل هو «الكاتوبليبوس»؛ وهو كائن خرافي ظهر في رواية «إغواء القديس أنطوان» حيث يقوم المخلوق بالتهام نفسه بنفسه بادئًا بقدميه، والكاتب الناجح هو من يقوم بالتهام نفسه، للخروج برواية ما من نتاج أفكاره وخبراته في الحياة، وأحيانًا تكون الروايات الخيالية تمامًا أيضًا ما هي إلا انعكاس لواقع يريد الكاتب أن يهرب إليه، صنف «يوسا» الكُتّاب الذين يقومون باختيار أفكارهم بموضوعية متحاشين تجاربهم، وآلامهم الشخصية بأنهم ينتجون روايات سيئة، حتى لو لاقت نجاحًا لدى الجمهور.

الرسالة الثالثة: القدرة على الإقناع

كثيرًا ما نرى روايات اجتماعية فاشلة من وجهة نظرنا، ونراها مستحيلة التحقق؛ ربما لغباء بعض الشخصيات، أو تكون الرواية غير سلسة في القراءة؛ لذا قام «يوسا» بالتوضيح في هذا الفصل، لم نعتقد أن بعض الأعمال هي كذبة.

يرى «يوسا» أن أفشل الأعمال هي التي تقوم بفصل الموضوع والأسلوب؛ لأنها تقلل من فرصة الإقناع، لم أفهم الموضوع منذ البداية، ولكن كالعادة الفصل مليء بالأمثلة.

إذًا القابلية للتصديق يخدمها أسلوب الكاتب في السرد، ونقطة أخرى هي تضييق الفاصل بين الواقع والوهم؛ حيث يضع الكاتب كل أحداث الرواية في شكل تلقائي يخدم الرواية، وليست مجموعة أحداث عشوائية قد تؤدي إلى جعل الرواية أقرب إلى الكذبة.

الرسالة الرابعة: الأسلوب

الرواية ما هي إلا كلمات مرتبة، والأسلوب هو أشد عناصر الرواية تأثيرًا وحكمًا، إذا كانت الرواية ناجحة وتتمتع بحس الإقناع أو لا، هذا يعني أن اختيار الكلمات والصياغة والترتيب هو الذي يحدد إذا كان العمل فعالًا أو لا، وينفي الكاتب تدخل عامل اللغة، حيث لا تؤثر الأخطاء اللغوية كثيرًا في الأسلوب نفسه، وكم من كاتب عظيم كانت كتاباته مليئة بالأخطاء اللغوية، وعلى العكس فإن كُتّابًا كُثُرًا لغتهم سليمة تمامًا، ولكن الأسلوب جامد لا يشجع على قراءة سطر واحد.

في باقي الفصل يتحدث «يوسا» عن فعالية الرواية وتماسكها الداخلي، يمكن للرواية أن تكون غير متماسكة في الأفكار، وتتأرجح بين المشاعر وأحداث زمنية مختلفة، ولكن طابع اللغة المتماسك يجعلها أصيلة، أي ذات سمة الحقيقة، يجعل تماسكها وقدرتها على الإقناع ممتاز، وضرب مثلًا برواية «الوليسيس أو عواليس» التي تدور أحداثها كاملة في يوم واحد، ولكن يتخللها قصص محكية وأزمنة ومشاعر وأفكار البطل بشكل غير منظم، ومع ذلك تعتبر من أفضل ما كتب في الأدب.

الرسالة الخامسة: الراوي

في هذا الفصل نتحدث عن الراوي؛ لأن على حسب نمط هذا الراوي تأخذ الرواية شكلًا معينًا، ومن هذه الأشكال.

راو عليم بكل شيء: أي راو كلي المعرفة، لا ينتمي إلى القصة، ويقوم بروايتها بكل حياد، موضحًا نقاط عديدة مثل مشاعر الشخصيات، وبعض الأحداث.

راو من الشخصيات: هذا الراوي لا يروي إلا ما يرى أو على حسب دوره في القصة فقط.

راو ملتبس: لا نعرف موضعه بالضبط، قد يكون من داخل الرواية، أو من خارجها، وقد انتشر هذا النمط في الروايات الحديثة.

وهناك بعض الحالات يمكن استخدام تبدل الرواة مثل رواية «بينما أرقد محتضرة»، ويجب على الكاتب أيضًا تقرير كيف ستروى القصة؟ هل بضمير المخاطب، أم المتكلم، أم الغائب؟ قد لا يكون أغلبنا من القراء لاحظ دور الراوي من قبل، ولكن بعد قراءة هذا الفصل أعتقد لن نستطيع إغفال دور الراوي بعد كل هذه التصنيفات.

الرسالة السادسة: الزمن

يشرح «يوسا» في بداية الفصل الفرق بين الزمن المتسلسل والزمن النفسي؛ حيث الزمن المتسلسل هو الفترة التي نقضيها من بداية حياتنا إلى موتنا، أو كل ما نقيس به الأجرام السماوية والكواكب، أو ببساطة هو الزمن والوقت الحقيقي، بينما الزمن النفسي هو الوقت التقديري الذي نقضيه أثناء تجاربنا الانفعالية (الوحدة، الانتظار، التوتر، الخوف) والوقت الذي نقضيه خلال هذه التجارب هو الوقت النفسي، وطرح «يوسا» قانونًا يقول إن الزمن المستخدم في الرواية هو الزمن النفسي، حيث ينقل الكاتب عالمه من عالم الواقع إلى عالم يمكنه تشكيل زمنه كما يريد، أو لحسابه الخاص، كما وصفه «يوسا».

من الأمثلة المستخدمة في هذا الفصل رواية «حادث على جسر نهر البومة»؛ حيث يحكم على البطل بالموت شنقًا، وعند ربط الحبل حول عنقه في أقل من ثانية، يستطيع الفرار عابرًا النهر، ثم يعدو إلى كوخ في الغابة، حيث تنتظره حبيبته، وفي لحظة ملامستها يشعر بالحبل حول عنقه!

لقد صنع الكاتب زمنًا خاصًا به، في الثانية ما بين ربط الحبل وشَده، وهذا هو الزمن النفسي.

الرسالة السابعة: مستوى الواقع

مستوى الواقع كما عرّفه الكاتب هو المستوى الذي يسرد به الراوي من وجهة نظره الرواية، والمستوى الذي تدور فيه الأحداث، ويمكن أن يتطابقا أو يختلفا، وربما كان المستويان الأكثر استقلالية وتعارضًا؛ هما مستوى الواقع ومستوى الفنتازيا، الذي ينقسم داخله إلى مستويات أخرى؛ السحري، والأسطوري.

المميز في مستوى الواقع حيث يمكن استخدامه بأشكال غير متناهية، من الأمثلة رواية «دورة اللولب» التي تروي قصة مربية ترى أحداثًا غريبة ومرعبة، وتروي كل شخصية هذه الأحداث من وجهة نظرها فتتقلب بين الواقعية والخيالية بأشكال شتى، حتى يتشتت القارئ أي وجهات النظر هي الأقرب للحقيقة؟!

الرسالة الثامنة: القفزات النوعية

النصيحة التالية للروائيين هي استخدام القفزات بأنواعها في الرواية، وتتضمن ثلاثة عناصر ذكرهم الكاتب مؤخرًا

نقلات زمنية: من الماضي إلى الحاضر أو إلى المستقبل.

نقلات مكانية: وهي الأسهل عن طريق سرد الراوي نفسه.

نقلات الواقع: وهو ما تحدث عنها الكاتب في الفصل السابق، والتنقل من الواقع إلى المستقبل.

وبراعة الكاتب في دمج هذه الأساليب الثلاثة ليخرج برواية ذات أسلوب مميز، باقي الفصل يشرح بكثافة كل نوع من النقلات وأمثلة لكلٍ منها، وقمت باختيار مثال يشرح تقريبًا الأنواع الثلاثة، في رواية «الفندق الأبيض» تحكي الرواية عن مجزرة لليهود في أوكرانيا، والراوي هنا ممثلة ناجية تقوم بحكاية ما حدث في هذا الفندق لطبيبها النفسي، خلال السرد تقوم الراوية بالرجوع إلى الماضي، لسرد ما حدث في أوكرانيا، ثم تروي ما يحدث لها في أوروبا في الوقت الحاضر، وهذه هي النقلات الزمانية والمكانية، أما النقلة في مستوى الواقع تتمثل في الفصل الأخير، حيث تتخيل البطلة المستقبل بشكل خيالي بحت، ونتحول من المستوى الواقعي إلى مستوى الفنتازيا.

الرسالة التاسعة: الدمية الروسية الماتريوشكا

الدمية الروسية الماتريوشكا؛ هي دمية متداخلة الأجزاء داخل كل جزء دمية أصغر، وهو تعبير صريح للروايات مركبة القصص أو الأحداث، حيث يؤدي كل حدث إلى حدث آخر إلى أن تتضخم القصة، وتظهر الحبكة الرئيسية، طريقة التداخل تؤدي إلى نتيجة فعالة مبهرة مما تقدمه من غموض وتعقيدات، وقد لا تعتمد عليه القصة بشكل أساسي، ولكن تساهم في البناء، أشهر مثال بالطبع هو «ألف ليلة وليلة»؛ حيث تقوم «شهرزاد» بدمج القصص ببعضها، لكي تظل حية إلى الصباح التالي، ومستوى تداخل القصص في «ألف ليلة وليلة» مدهش إلى حد كبير؛ في إحدى القصص يقابل البطل أربع شخصيات، يقوم كل شخص منهم برواية قصة، ثم يقوم الشخص الرابع برواية قصته التي تتضمن ثلاث قصص أخرى، وكل هذا داخل قصة واحدة، ويتتابع رواية هذه القصة إلى الألف ليلة.

الرسالة العاشرة: المعلومة المخبأة

سرد الرواية مع إغفال متعمد لمعلومات مهمة، من الأساليب الذكية التي لا يجب أن تكون بلا هدف، بل تكون ذات موضع حساس من الرواية، تجعلها تقدم صدمة للقارئ، أو تغير من وجهة نظره، ببساطة يمكننا القول أن هذه هي الطريقة التي جعلت مئات من روايات الغموض والروايات البوليسة تنجح، ولكن الكاتب فضل الإشارة إلى «أرنست همنجواي» الذي استخدم هذه الطريقة في روايات اجتماعية وواقعية مثل «وما تزال الشمس تشرق» التي كانت بالنسبة لي مثالًا أفضل من الأعمال البوليسية، بطلة الرواية تتعرض لاغتصاب وتروي قصة طويلة عن حياتها بين الماضي والمستقبل والغريب هو إبقاء معلومة أن المغتصب عاجزًا جنسيًّا إلى نهاية الرواية، بدون أي تلميح، فنجد أن بعد انتهاء الرواية هناك معلومة مهمة كان يمكن أن تغير تخيلنا بالكامل عن الرواية.

الرسالة الحادية عشر: الأواني المستطرقة

على حد تعريف الكاتب الأواني المستطرقة هما واقعتان أو أكثر تُروى في أزمنة وأمكنة مختلفة، ولكن يقوم الراوي بدمجهم في سرد واحد لإضافة دلالة ما، أو تغير التأثير إذا ما تم سرد كل منهما على حدة، لا نرى هذه الطريقة حاليًا في الأدب كثيرًا، بل ربما تنتشر في عالم السينما أكثر، قام «جوستاف فلوبير» باستخدام هذا الأسلوب في رواية «مدام بوفاري» الشهيرة في مشهد المعرض الزراعي، ويدمج بين تصرفات الفلاحين الفظة ووصف الحيوانات، مع مشهد العاشقين وتبادلهما الحوارات الغرامية.

الرسالة الثانية عشر: على سبيل الوداع

يوجه «يوسا» رسالة أخيرة تتضمن نقدًا للنقد، وألا يهتم بكل ما يكتب فيه، والأساليب التي شرحها خلال رسائله هي مجرد وسائل يستخدمها الأدباء؛ لجعل أعمالهم أفضل، ولا زال هناك وقت للكثير من الإبداع؛ لذا ترك لنا نصيحتين:

الأولى: هي قراءة أربعة أعمال مهمة في النقد هي:

• دراسات ومقالات غونغورية، لـ«داماسو ألونسو».

• إلى محطة فنلندا، لـ«إدموند ويلسون».

• بور رويال، لـ«سانت بوف».

• الطريق إلى زاندو، لـ«جون لفينغستون»

بينما النصيحة الأخيرة هي أن ينسى الكاتب الشاب ما قرأه في هذه الرسائل ويبدأ في الكتابة دفعة واحدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك