قبل فترة كتبت موضوع ما هي التخصصات الأوفر حظًا في فرص العمل في المستقبل لطالب في الثانوية العامة، وكان مجمل الموضوع هو تشجيع طلبة الثانوية العامة على دخول مجال التقنية والبرمجيات.

اليوم بعد مرور ثلاث سنوات تغيرت الدنيا، وتغير سوق العمل بشكل جذري، أخي طالب الثانوية العامة دعنا نلقي نظرة على مختلف التخصصات.

التخصصات الطبية

الطب – الصيدلة – التمريض

هناك هوس عام بين طلبة الثانوية بالتخصصات الطبية، فأنت كطالب ثانوية عامة لا ترى من هذا التخصص إلا البالطو الأبيض، والطبيب الذي يركب سيارة، ويذهب لعيادته متى يشاء.

الحقيقة غير ذلك تمامًا، أولًا الطب مهنة إنسانية بالدرجة الأولى، فأنت تتعامل مع آلام الناس، مطلوب منك أن تكون صبورًا، أن تستمع للمريض، وتستمع إلى شكاوى من جميع الأنواع، وتشاهد مآسي يوميًا، فإن لم تكن مؤهلًا نفسيًا لذلك، فستكون الحياة بالفعل شاقة وقاسية.

الحكومات في منطقتنا العربية في الغالب تتعامل مع الطبيب على أنه العدو، خاصة في مصر فالحكومة تتفنن في التضييق على الأطباء، وأنت كطبيب حديث التخرج لن يتعدى أجرك الحكومي أكثر من 100 دولار في أحسن الأحوال ستدفعها مواصلات.

ماذا عن الأطباء المشهورين الذين يجنون مئات الآلاف يوميًا؟

نعم موجودون، لكن كم نسبتهم 5% أو 10%، لا أعتقد أن تصل نسبتهم حتى إلى 10%، في الحقيقة التخصص الطبي فيه مخاطرة كبيرة بشكل خرافي.

بالنسبة للصيدلة في الواقع الأمر قد انتهى، وأصبح محسومًا، وسوق العمل لا يتحمل المزيد، وكما ترون فإن حال الطبيب الصيدلي إن لم يكن لديه صيدليته الخاصة فإنه من سيئ إلى أسوأ.

التمريض هذه المهنة السامية التي جمعت مرار الطب مع مرار التهميش، هؤلاء الجنود المجهولون، وإن كانت هذه المهنة في الدول التي تقدر مواطنيها من أعلى الأجور، إلا أن منطقتنا العربية كلها لا مجال فيها، ولا مستقبل لهذه المهنة، بخاصة الممرضون الذكور، حقًا أنا لا أريدك أن تكون جنديًا مجهولًا بدخولك لهذا المجال السامي.

التخصصات الهندسية

كانت الهندسة المدنية والمعمارية في أعلى التخصصات إلى أن قضى عليها تكدس الخريجين في سوق العمل، لكن سيظل المهندس الماهر يحفر مكانه في وسط أقرانه مهما تكدس سوق العمل فإن قدر الله لك أن تتخصص في أحد هذه التخصصات فالعمل على نفسك وتنمية قدراتك هو أساس لمستقبلك.

تحسين لغتك وقدرتك التقنية مفتاح لمستقبل واعد

الجميل في التخصصات الهندسية أنك تستطيع أن تغير مجالك الأساسي إلى مجالات أخرى حتى بعد تخرجك، خاصة إن كنت تملك المهارات التقنية واللغوية والقدرة على التعلم، فلن يكون مستقبلك شاقًا، فلديك أساسيات التعايش مع التغييرات من حولك، أتمنى ذلك.

العلوم الأساسية

الفيزياء أو العلوم الطبيعية – الكيمياء – الرياضيات

دراسة العلوم الأساسية تعتبر من أشق الدراسات كونك تدرس علومًا بعضها نظري بحت، وقليل منها تطبيقي، إن عملت على نفسك وعلى قدرتك قد تتميز، ويكون لك شأن في هذا المجال، خاصة أن فرصة تحولك للعمل في أي شيء متعلق فرصه عظيمة، لكن تظل العقبة أن مستقبل العلوم الأساسية غامض في منطقتنا العربية، وهناك تداخل شديد في تخصصات العلوم الأساسية مع كليات أخرى تجعل المنافسة أمرًا شاقًا، لكن تبقى للعلوم الأساسية متعتها لمحبي العلم، ولمن يبحثون عن سبر أغوار الطبيعة، عندما يهاجرون بالطبع إلى دول أخرى.

البرمجة والمبرمجين

أنا أسحب كلامي السابق قبل سنوات بأن المستقبل المطلق للعاملين في مجال تقنية المعلومات، لأنه في الحقيقة بعد 10 سنوات من الآن لن يكون هناك مكان للمبرمجين أو العاملين في تقنية المعلومات.

الكلام يبدو غريبًا حيث إننا نعيش عصر تقنية المعلومات بالفعل، لكن أنا خبير في البرمجيات ولمدة تزيد عن 20 عام، أقول إن عشنا السنوات القادمة لا أنا، ولا أحد من أصدقائي، ولا من سيدخل المجال سيكون له عمل حقيقي.

لن أقول لك أن الذكاء الاصطناعي سوف يسيطر على الدنيا وسيكتب الكود بدلًا عن المبرمجين، هذه خرافة، ولن تحدث، لكن لدينا ما هو أخطر من هذا.

مع التطور الرهيب في الكمبيوتر الكمي الذي يعمل بنظرية الكم سوف تتغير أساسيات البرمجة وستتغير الصورة التقليدية لما عليه البرمجيات في عصرنا الحالي.

دعني أعطك نبذة عن الكمبيوتر الكمي

الكمبيوتر الكمي لا يوجد منه سوى خمسة أو ستة أجهزة على مستوى العالم في الشركات الكبرى والدول العظمي، لديه القدرة على حل مسألة في أربع دقائق تحتاج من الكمبيوتر العادي ما يقرب من 15 مليار سنة، يستطيع أن يجرب الاحتمالات جميعها في نفس الوقت، ويعطيك الاحتمال الأدق والأصح دون الحاجة إلى تجربتهم، احتمالًا تلو الآخر مثلما يحدث في الكمبيوتر العادي.

هذا النوع من القوة الحسابية سوف يغير المعادلة، سوف تختفي الشفرات البرمجية وتختفي أجهزة الإدخال العادية مثل لوحة المفاتيح والفأرة، وسوف يحل محلها الإدخال الطبيعي، سنقول مثلًا للكمبيوتر.

راقب هذا المتجر وراقب الزبائن، وأعطنا طريقة للبيع والحسابات تناسب هذا المتجر، وسيفعل تمامًا ما نريد بقوة حساباته، وهذا ليس خيالًا، بل سيكون أمرًا واقعًا.

ماذا الآن!

يجب على أبنائنا من أبناء الثانوية العامة أن يدركوا أن مجرد تخصصهم في تقنية المعلومات لن يكون جواز المرور للأمان، وأن يدركوا أن استثمارهم قليل من الوقت في دراسة الكمبيوتر الكمي سوف يضمن لهم مكانًا في المستقبل بين مبرمجي الكمبيوتر الكمي.

وأن التخصصات التي تعتلي عرش سوق العمل اليوم لن تكون نفسها بعد 10 سنوات من الآن، والفائز من ينظر للمستقبل، ويعمل له من اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد