صناعة التفاهة

مع بداية الألفية الحديثة وتطور وسائل التكنولوجيا وتوالي الاختراعات، ظهرت معها وسائل التواصل الاجتماعي بهدف تقريب المحادثات بين الناس ونشر الأخبار بشكل أسرع مما جعل كل العالم بأسره عبارة عن قرية صغيرة يسهل فيها التواصل بين قطبيها قي ثوان معدودة.
لكن الملاحظ أن هذه الوسائل قد طغى عليها الجانب السلبي على الجانب الإيجابي من خلال انتشار أخبار التفاهة والرذائل بين المواقع والصفحات بشكل خطير جدًا وتسابق الناس على معرفة الرذائل والأنباء التافهة بدل المعرفة والصواب.

ففي ظل الانتشار الكبير للإعلام، وعدم ترتيب الأولويات، ظهر معها ما يسمى بـ«صناعة التفاهة» فرغم تراكم التجارب واستحداث التقنيات الجديدة والدراسات الحديثة صار العالم موجهًا نحو مساق آخر، هو نشر أكبر قدر ممكن من التفاهة، ونحن بهذا الصدد لا نقصد مثلا الضغط على المشاهد حتى يستهلك أكبر قدر ممكن من الوقت كما كان من قبل، بل صرنا في اتجاه خطير آخر هو استهلاك الوقت والمال في التفاهة حتى لا يجد المستهلك في ما بعد أي عمل قار يمكن الاستهلاك منه، ونصنع بذالك جيلا من الشباب بدون أي مبادئ أو مستوى علمي وتكوين مدرسي متميز. وهذا هو الاتجاه الخطير الذي يسير فيه معظم مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام عمومًا سواء عبر برامجه أو أخباره وتغطياته الحصرية، ألا وهو استهلاك الوقت في النشر والبحث عن الأفكار التافهة التي تقود الإنسان نحو مصير مجهول.

فالقضية إذن صارت منهجًا يصير نحو جعل صناعة التفاهة أقصى طموحات المستهلك وأبرز أهدافه بغرض الشهرة وضياع الوقت، فعندما تقارن مثلا بين عالم أو مفكر يلقي موعظة في محاضرة أو ندوة ما، لن ترى الإعلام الموجه لتلك المحاضرة بالشكل الكافي والمستحق، عكس السهرات الغنائية والأخبار التافهة التي يتسابق الإعلام حولها وتتكاثر التقارير والأخبار عنها، مع العلم أن ما يلقيه الأول هو عين الصواب وجوهر الحقيقة عكس الثاني الذي غرضه الشهرة وجمع الأموال.

ففي الآونة الأخيرة سطع نجم عدد كبير من رواد التفاهة في مختلف المجالات الذين لا يجيدون سوى الخبث والكلام الرذيل والقيام بأشياء تافهة لا طائل لها وأصبحت أسماؤهم تتداول بين ألسن الجميع وأحداثهم تصدح بها حناجر الصحافيين.. بينما تعاني فيه الجهة الأخرى من المثقفين والمفكرين والعلماء من التهميش و«اللامبالاة» حتى نسمع أو نقرأ يوما في هوامش الأخبار بموت عالم أو مفكر بعد سنوات من الإهمال.

وفي هذا السياق نذكر مقولة لكاتب النمساوي قال: «هوت شمس الثقافة أرضًا حتى أصبح الأقزام أنفسهم يظهرون بمظهر العمالقة» حيث يبرز فيها مدى سيطرة التافهين وإحكامهم القبضة على العالم، فلقد أضحت وسائل التواصل الاجتماعي ميدانًا مفتوحًا لصناع التفاهة لإبراز أعمالهم المقيتة وإنتاجاتهم التافهة حتى تطبع الناس مع هذا العبث والمكر، وصارت محط اهتمام من طرف الجميع.

إن كل مجال من المجالات الرئيسية التي تشكل نمطًا مهمًا في حياة الإنسان، قد وقع فيها الانحطاط وغابت عنها الصبغة الأصلية التي وجدت أو خلقت بها، فعلى سبيل المثال عندما تقارن بين الأغنية العربية الأصيلة كيف كانت في ما مضى وكيف أضحت اليوم عبارة عن كلام رديء وموسيقى صاخبة بدون عنوان، إضافة للفن السابع وأخص بالذكر المسرح العربي، وكيف كان ميدانًا مفتوحًا للمبدعين الشباب وخريجي المعاهد العليا وكيف أضحى اليوم عنوانًا للتفاهة والرذالة.. ستدرك إلى أي مدى وقع الانحطاط والتراجع في الفن خصوصًا العربي الذي يميزه عن باقي الفنون الأخرى.

وإذا ما رجعلنا بالزمن للوراء سنرى هناك فرقًا شاسعًا بين الجيل الماضي والشباب الحاضر سواء على مستوى الفكر وترتيب الأولويات، أو على مستوى التربية والتعليم واحترام خصوصيات الآخرين. إلى جانب ذلك، كان الإنسان فيما مضى محافظًا على ثقافته وهويته الأصيلة عكس شبابنا الحاضر الذي أضحى متناقضًا مع ذاته مجهول الهوية كالغراب، لا هو تطور مع الزمن بالشكل المطلوب، ولا هو بقي محافظًا على مبادئه الأصيلة وثقافته العريقة، إذ لا يمكن تصنيفه مع أي من الفريقين، وهنا أتحدث عن فئة من الشباب وليس الجميع طبعًا.

فعندما يلتقي عقل فارغ بدون مبادئ بفعل مجتمع مستهلك منهك من كل الجهات، مع هاتف ذكي فالأكيد أن محتويات الهاتف ستكون هي الوعاء الذي يملؤ عقل ذاك الإنسان بما حمل، وبما أنه لن يحسن التعامل معه بالشكل الصحيح، فالأكيد أن العلاقة بينهما ستصير في الاتجاه المعاكس ويصبح الهاتف وما يحتويه من تفاهات، هو الاهتمام الأبرز الذي سينكب عليه، وهنا نتحدث عن فيروس خطير يقتل الإنسان ويفتك بأوصال عقله في الحياة قبل الممات، وهو العولمة المدمرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد