لا يوجد في المجتمعات الحديثة مثل الاقتصاد السياسي لجمهورية الصين الشعبية، بحيث أنه وحتى بعد حوالي (50) عامًا من إصلاح السوق، لا يزال لدى البيروقراطيين والقادة المحليين والوطنيين في الصين، فضلًا عن الأنظمة الحكومية الجديدة والقديمة، تأثير هائل على إنتاج وتوزيع السلع والخدمات، كما أن شرعية الحزب الشيوعي الصيني تعتمد بشكل كبير على استمرار النمو الاقتصادي، وذلك لأن أي تفاوت متزايد في معدلات النمو سوف يهدد الاستقرار الاجتماعي، وإضافة لأن الفساد قد تعمق في النظام السياسي، فإن للاقتصاد أهمية سياسية كبيرة في الصين، وللزعماء السياسيين الصينيين دور كبير في وضعهم للسياسات العامة المؤثرة في السياسات الاقتصادية.

هذا وابتداء من عام 1953 عززت الدولة الصينية التصنيع السريع إلى حد كبير، وذلك من خلال تبني النموذج السوفياتي للتنمية الاقتصادية، حيث تم نقل حوالي 20 مليون فلاح إلى المدن لتزويد المصانع الجديدة بعدد هائل من العمال، فيما كان يسمى بالتوسع الحضري وزيادة الإنتاج الصناعي (مع المساعدة السوفياتية المباشرة)، كما تم البدء في 156 مشروعًا كبيرًا، بما في ذلك 24 محطة طاقة كهربائية، و63 محطة للآلات و7 مصانع للحديد والصلب، وعموما كان النمو الاقتصادي خلال الخطة الخمسية الأولى للصين (1953-1957) قويا، وبلغ متوسطه أكثر من (9%) سنويًّا، لكن معدلات النمو تذبذبت على نطاق واسع بعد ذلك، فعلى سبيل المثال كانت (15%) عام 1956 أما في 1957 كانت (5%)، كما وكان النمو الصناعي يفوق كثيرًا معدل النمو في التجارة والزراعة.

وقد دخلت الصين في خريف عام 1957 القفزة الكبرى إلى الأمام، والتي كانت فترة من الترقب الباعث لظهور اليوتيوبيا الشيوعية، بحيث تم التخلي إلى حد كبير عن نظام التخطيط الاقتصادي البيروقراطي على النمط السوفياتي، لصالح نهج يركز على التعبئة الجماهيرية والنداءات الأيديولوجية لتحقيق اختراق كبير في الإنتاج، وقد جادل (ماو تسي تونغ) وغيره من الزعماء بأن المزارع الجماعية الأكبر (الكوميونات الشعبية)، المليئة بالفلاحين الذين يمتلكون الحماسة الثورية المتصاعدة، ستحقق رخاء غير مسبوق للريف.

لكن عندما كان الإنتاج أقل بكثير من الأهداف المرتفعة بشكل مثير للسخرية، فإن المسؤولين المحليين وخوفًا من أن يتهموا بعدم كفاية الالتزام بالقفزة العظيمة، كذبوا وأبلغوا عن زيادات مبالغ فيها في الإنتاج الزراعي، كما وصدّق واعتقد القادة المركزيون خداع الذات هذا، وطالبوا الكوميونات بتحويل «فائض الحبوب» إلى الدولة لإطعام المدن والتصدير، وترك القليل من الطعام في الريف والقرى، إلا أنه ومع تغيرات الطقس في عام 1959، ضربت المجاعة الريف الصيني، مما أسفر عن مقتل عشرات الملايين من الناس في المناطق الأفقر من البلاد، كما تأثرت الصناعة والتجارة بشدة بالسياسات غير المنطقية للقفزة العظيمة، وانغمست البلاد في كساد اقتصادي، حيث أصبح نمو الناتج المحلي الإجمالي في عام 1961 (-27.1%) و(-6.1%) في عام 1962.

أما المشكلة الأخرى التي كانت تلوح في الأفق هي أن (ماو تسي تونغ) أصبح مقتنعًا بأن الحزب الشيوعي الصيني بات يشكل طبقة رأسمالية جديدة، فأطلق الثورة الثقافية الكارثية في عام 1966 لإبقاء الحزب والبلاد على ما اعتبره الطريق الثوري الصحيح، حيث تم تطهير القادة المعتدلين في البلاد، وخلال العقد اللاحق قللت السياسات الراديكالية إلى حد كبير من نطاق النشاط الاقتصادي الخاص في كل من المدينة والريف، وذلك على الرغم من أن النتائج الاقتصادية للثورة الثقافية لم تكن بنفس القساوة التي كانت عليها نتيجة القفزة العظيمة للأمام، حيث إن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بلغ (3.9%) فقط في الفترة 1967-1976، وذلك لأن النمو السكاني كان مرتفعًا نسبيًا خلال هذه الفترة (2.4%) سنويًا، فيما كان معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي (1.5%) فقط.

هذا وفي أوائل ثمانينيات القرن الماضي، اتخذ قادة الصين أول خطوة رئيسية نحو فتح الاقتصاد الصيني للعالم الخارجي، وذلك من خلال إنشاء أربع مناطق اقتصادية خاصة في المناطق الساحلية في جنوب الصين، والتي لها صلات بالمجتمعات الصينية في الخارج، حيث تم منح المناطق الاقتصادية الخاصة (شنتشن وتشوهاى وشيامن وشانتو) مجالًا واسعًا لتجربة سياسات ملائمة للسوق، وامتيازات خاصة من حيث استخدام الأراضي وممارسات التوظيف، والوصول إلى رأس المال وأنواع أخرى من التسهيلات، وذلك كله من أجل توسيع الصادرات وجذب الاستثمار الأجنبي.

كما ظهرت الموجة الثانية من الإصلاحات في 1984-1985، حيث تم فتح 14 مدينة ساحلية للتجارة الخارجية، كما تم تشجيع المؤسسات العلمية والجامعات للقيام بأعمال تجارية مع الشركات والحفاظ على الأرباح، مما سمح للجامعات بالاتصال مباشرة مع الجامعات في الخارج، والذي أدى بدوره إلى زيادة برامج «الدراسة في الخارج»، فيما كانت ضوابط التجارة الخارجية لا مركزية لحكومات المدن، حيث بذلت جهود لتنشيط الشركات المملوكة للدولة، والتي كانت مسؤولة عن معظم الإنتاج الصناعي في الصين، كما تم تقليص التخطيط المركزي، وذلك طالما حققت الشركات أهدافها السنوية من خلال السلع التي كان عليها أن تبيعها للدولة، وبأي أسعار يمكنها أن تنتج المزيد من السلع التي يمكنها بيعها بأسعار السوق، وهذا «نظام السعر المزدوج» (شوانغ جياج) وسّع الإنتاج والكفاءة، ولكنه كان أيضًا مفتوحًا على مصراعيه للفساد، لأن الناس الذين كانوا يستطيعون شراء السلع بأسعار مخططة (منخفضة)، أصبحوا يبيعونها في السوق الحرة.

أما في 1987-1988 فقد افتتحت الصين موجة ثالثة من الإصلاح تشمل كل مناطق الصين الساحلية للاقتصاد العالمي، والتي سميت «إستراتيجية التنمية الساحلية»، وشملت تأسيس أكثر من ستة آلاف شركة تجارية أجنبية، تمثل بالفعل بداية النمو الاقتصادي الصيني الذي تقوده الصادرات ويستمر حتى اليوم، فيما أصبحت الصناعة الريفية في الصين، والتي توسعت بشكل كبير بعد عام 1984 محركًا لازدهار الصادرات الصينية، بحيث على مدى السنوات السبع التالية، جاء نمو صادرات الصين إلى حد كبير من هذه المشاريع الريفية الصغيرة والمتوسطة الحجم على طول الساحل.

لكن في صيف عام 1988 واجهت هذه الإصلاحات مشاكل، وذلك بسبب الرفع الإضافي لضوابط الأسعار على العديد من العناصر التي بدأت في عام 1985، مما أدى إلى الهروب نحو البنوك، حيث إن الناس الذين خافوا من أن تكلفة السلع سوف ترتفع، سحبوا أموالهم واشتروا كل شيء على الرفوف، وقد كان لهذا الذعر تداعيات سياسية، تمثلت في بدأ صراع القوى بين الزعماء المحافظين الذين أرادوا تغيرات أقل توجها نحو السوق وغيرهم من الإصلاحيين الملتزمين، وهو الذي سوف يشكل الخلفية السياسية للأزمة في (ميدان تيانانمين)، الذي هز الصين في جوهرها في مايو (أيار) – يونيو (حزيران) 1989.

وقد انخفض في هذه الفترة نصيب العمال في القطاع العام، بما في ذلك العمالة الريفية إلى (4%)، لكن عندما بدأت الموجة الخامسة من الإصلاح في عام 1998 نجح (جيانغ تسه مين) في أن يكون خليفة (دنغ شياو بينغ) (الذي توفي عام 1997) هو الزعيم الأول للصين في الإصلاحات، حيث خلال هذه الموجة خفضت القيادة عدد البيروقراطيين في الدولة إلى النصف وشجعت على الملكية الخاصة للشقق، مما أدى إلى ازدهار الإسكان الحكومي الوطني، كما تم وضع خطط نهائية للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية (WTO) في عام 2001، والذي استلزم إزالة اللوائح التي تحد من وصول الأجانب إلى السوق المحلي الصيني، وعمّق من اندماج الصين في الاقتصاد الدولي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد