لكل علم أهميته وخصوصيته التي تجعله يتطور ويصبح له فروع، وتخصصات دقيقة، وهذا تبع للحاجة إليه، وبناءً على ذلك لا نستطيع التقليل من شأن أي علم أيًا يكن.

انطلاقًا مما سبق نخص بالذكر هنا الحديث عن العلوم السياسية أو علم السياسة الذي كان يُنظر له على أنه فرع من فروع العلوم الاجتماعية أو الإنسانية على اعتبار أنها تهتم بالسياسة بشكل أو بآخر، وهذا الحال كان سائدًا إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية.

وتطور علم السياسة إلى أن وصل مع نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين إلى علم مستقل عن العلوم الأخرى، وأصبحت الجامعات تدرسه في كلياتها كعلم قائم بذاته، وأنشئت المدرسة الحرة للعلوم السياسية في باريس عام 1872، ومدرسة لندن للاقتصاديات وعلم السياسة، إلا أن الجامعات الأمريكية كانت من أوائل الجامعات في العالم التي اهتمت بتدريس علم السياسة، وأنشىء أول قسم للعلوم السياسية في جامعة كولومبيا في عام 1880، واستمر تدريس العلوم السياسية لعدة سنوات في أقسام التاريخ والاقتصاد على أساس أنه اقتصاد سياسي، وانتشر بعد ذلك تدريس العلوم السياسية في أقسام مستقلة في الجامعات الأمريكية، حيث توجد حاليًا أكثر من ألفي جامعة تدرس علم السياسة في كلياتها.

وقد اهتم الفلاسفة الإغريق بقضايا الحكومة الديمقراطية منذ القدم، وبحثوا في أفضل أنواع الحكومات، وبحث هيرودوتوس – المؤرخ الإغريقي – في القرن الخامس قبل الميلاد، في الحكومات طبقًا لثلاثة أنواع وهي:

-الملكية.

-الأرستقراطية.

-الديمقراطية.

اعتمادًا على ما هو عدد الناس الذين يرتبطون بسلطة اتخاذ القرار السياسي.

وجاءت أفكار سقراط وتلميذه أفلاطون وأرسطو لتعبر عن نقطة تحول جديدة في تاريخ التفكير الفلسفي والسياسي، وإذا اعتبرنا أفلاطون أبا الفلسفة السياسية، فإن أرسطو أب لعلم السياسية، حيث يعود إليه الفضل من تحويل علم السياسة من المحاورة ( أفلاطون) إلى المحاضرة.

أيضًا علم السياسة كما يرى بعض الكتاب مر بثلاث مراحل في تطوره:

1- المرحلة الدينية: حيث كان العالم يعزي الظواهر السياسية فيها إلى أسباب إلهية أو قدرية دون أن يحللها.

2-المرحلة الميتافيزيقية: التي تمتاز بالاهتمام الدائم بالعلل الأولى، والنتائج الأخيرة لما تلاحظه من وقائع وظواهر سياسية.

3-المرحلة الوضعية: وهي مرحلة بذلت فيها الجهود العلمية للوصول إلى القواعد التي تساعد في عملية توجيه الشؤون السياسية، والتي برر فيها الفكر استنتاجاته ببرهان الوقائع المستقرأة.

ويعتبر المفكر الإيطالي نيكولا ميكافيلي الرائد الأول لنشأة علم السياسة الحديث.

دون الإسهاب أكثر في هذا الموضوع، الذي أردت من خلاله أن ألفت نظر البعض إلى هذا التخصص الهام حقيقة، والذي أخذ في التطور شيئًا فشيئًا، رغم كل هذا تجد من لا يراه شيئًا! أو من لا يعده علمًا بالأصل! وهذا الشخص بالذات تجده يقول هذا كنوع من المكابرة، حيث أنه يبحث عن أهل هذا التخصص ويقرأ لهم ويستفيد من علمهم في مجال السياسة، وبهذا اعتراف ضمني منه بأهميته، وأنه يرقى أن يكون علمًا.

ولكن بالملاحظة السريعة يمكننا أن نعرف لماذا بعض العرب تحديدًا يزدرون هذا العلم؟ ولا يشجعون أبناءهم على دراسته حتى وإن كان أحدهم يريد دراسته! والسبب هو احتكار السياسة لطبقة معينة في المجتمع دون أخرى، وانعدام الفرص الوظيفية لتخصص العلوم السياسية، فتجده يقول ما فائدة أن أفني عمري في دراسة لن تفيدني وظيفيًا؟ وبعض الجامعات في الدول العربية، إن لم يكن كلها، عندما يأتيها طالب جديد بمعدل متدنٍ تحيله إلى ذلك التخصص السامي! فتجد بين أستاذ العلوم السياسية وذلك الطالب الطارئ والدخيل عليه بونًا شاسعًا من حيث الشغف والقدرة على تحمل هذا التخصص وصداعه ومن ثم الإبداع فيه، حتى إن لم يتمكن الشخص من العمل في الجهات السياسية، ينظر إلى نفسه على أنه نشاز وسط جوقة السياسة وأهلها.

حتى إن أهل التخصصات الأخرى كإدارة الأعمال وغيرها يقوم بعضهم باختيار العلوم السياسية كتخصص فرعي إلى جانب تخصصه الأصلي؛ لكي يتمكن من رفع معدله! ثم يُفاجأ بأن تخصص العلوم السياسية أطاح بمعدله لا العكس!

لماذا العلوم السياسية هي أم العلوم كلها من وجهة نظري؟

لا شك بأن القرارات السياسية يمتد تأثيرها على كافة جوانب الحياة، ومثلما أنها تؤثر فهي تتأثر بالعديد من العوامل المحيطة بها.

والهدف من تدريسها هو إعداد الانسان لمسؤوليات وتحديات العصر بمختلف وجوهها الفردية والقومية والدولية، ولكي يتمكن من فهم هذا العالم أكثر من خلال هذه النافذة الكبيرة.

العلوم السياسية تهتم بالعدالة والمساواة والحريات والقانون والحقوق، ولها فروع كثيرة مثل العلاقات السياسية الدولية، السياسة المحلية، الفلسفة السياسية، الاقتصاد السياسي، النظرية السياسية، سياسة مقارنة، إعلام سياسي… إلخ.

العلوم السياسية لها علاقة وثيقة – وبعضها قديمة – بالعلوم الأخرى مثل التاريخ، الجغرافيا، علم الاجتماع، علم الإنسان، علم النفس، علم الاقتصاد، علم الاتصالات، الفلسفة.. كل هذه العلوم تشترك بدراسة السلوك الإنساني، وتعتبر السياسة من أكثر العلوم اتصالًا مع جميع المعارف التي توصل إليها الإنسان.

ولا ننسى القانون، والدبلوماسية التي تعتبر أُس العمل السياسي، ويجب على من يعمل بهذا الحقل أن يتعلم فنون الدبلوماسية.

والآن صار التحليل السياسي يُدرس وتعطى فيه دورات لإجادته؛ إذ على من اختار ذلك الطريق يجب أن يكون ملمًا بالكثير من الأمور التي ترتبط بالسياسة، ويكون على درجة عالية من الوعي والمتابعة والثقافة، وكذلك بات للمستقبل علمًا وآليات ومناهج لاكتشافه، كشأن الدراسات المستقبلية السياسية التي انتشرت بالجامعات الغربية.

لذلك العلوم السياسية هي أم العلوم كلها، فأنا شخصيًا أغار على هذا التخصص الشريف من الدخلاء الذين يعتقدون بأنه من السهل ولوجه، ولكن ما لم تكن شغوفًا بمعرفة دهاليزه فلا تقترب منه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد