في 25 يناير 2011، تمكن الشعب المصري العظيم من الانعتاق من قيود الماضي ومعانقة الحرية والدخول إلى التاريخ الحديث من أوسع أبوابه. هذا ما تم تداوله على الأقل، في الأشهر الأولى من عمر الثورة. فبعد فوز الإخوان في أول تجربة ديمقراطية، سارعوا إلى اتخاذ مجموعة من القرارات متناسين أنهم لم يصلوا إلى الرئاسة، إلا بشق الأنفس بفارق بسيط عن المعارضة، مما لم يمكنهم من اتخاذ قرارات انفرادية، أي حتمية التوفيق بين الجميع، مع ضرورة إرساء الإصلاح بشكل متسلسل ليكون سلسا، إلا أن نشوة الوصول إلى السلطة، وتجربة الإخوان المتواضعة في تدبير الشأن العام.

بالإضافة إلى أن رغبة الإخوان في تمرير بعض القرارات دون موافقة الجميع عليها؛ إظهارا لقوتهم وسيطرتهم على مجريات الأحداث، عجلت بتدهور الأوضاع.

كما أدى عدم التواصل بين الفريقين إلى إذكاء الصراع بينهما. وقد كان 30 يوليو 2013، نقطة العودة إلى الصفر، حيث تم عزل مرسي واتخاذ قرارات متسرعة لإضعاف المعارضين، فتمت إعادة نفس الخطأ. فبدأ الصراع من جديد، مع تغيير المواقع بين الفريقين.

إن مصر حاليا، تمر بأصعب أوقاتها مما يلزم جميع الأطراف بتقديم تنازلات ـ في الغالب ـ يمكن اعتبارها مؤلمة؛ فعودة مصر إلى مركزها ومكانتها الرمزية عربيا مرتهن بالعودة إلى الشرعية، فرغم كون الكثير من الأنظمة داعمة للسيسي، إلا أن الشعوب بعيدة كل البعد عن ذلك؛ فإما أن يتمكن السيسي من شرعنة حكمه من خلال إقناع المناصرين للإخوان بالتراجع عن التظاهر اليومي في الشوارع، مع إلغاء محاكمة مرسي والتصالح مع التنظيم. أو يقوم بالإشراف، على انتخابات نزيهة دون المشاركة فيها، وبالتالي يصبح السيسي بطلا قوميا، أخرج مصر من حالة الفوضى إلى حالة الاستقرار. في المدى القريب يظهر أن الحلين مستبعدان؛ لتمسك الأطراف بمواقفها، وربطها بالدعم الخارجي السخي القادم من الخليج والغرب.

وفي  شهر أغسطس من السنة الماضية، تم تدشين مشروع قناة السويس الذي كلف ثمان مليارات دولار، لتقليص المدة اللازمة لمرور السفن في القناة من 11 إلى 3 ساعات فقط. هذا المشروع ككل يحتاج إلى ما يزيد عن مائة مليار دولار لتحويل القناة إلى مركز مالي واقتصادي إقليمي وعالمي، حسب القائمين عليه، إلا أن الخبراء يشككون في جدواه الاقتصادية؛ نظرا لكون القناة تعمل بأقل من طاقتها مند سنوات.

الناظر إلى وقت إنجاز المشروع والمدة التي حددت لذلك، بغض النظر عن جدواه، سيكتشف أن الهدف منه هو تسجيل إنجاز تاريخي للسيسي على غرار السد العالي لعبد الناصر وتوجيه ضربة للإخوان. بالإضافة إلى أنه، في هذا السياق، كان هناك مشروع صهيوني لإنشاء قناة مشابهة لقناة السويس ستربط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، والذي كان في حالة إنجازه سيدخل الاقتصاد المصري في أزمة اقتصادية. وهنا يطرح السؤال حول حيثيات تراجع إسرائيل عن المشروع، وإمكانية الرجوع للفكرة من جديد. وما مدى كون مشروع “قناة السويس الجديدة” مشروعا ذكيا واستباقيا؟

يحسب للسيسي تقليل الخسائر التي يمكن أن تتعرض لها مصر؛ عند الدخول في منافسة اقتصادية شرسة مع العدو الجار، في حالة إنجاز مشروعه الذي يظهر أهدافا اقتصادية بحتة، ويخفي نوايا خبيثة، أقلها ضرارا استخدامه كورقة ضغط على القرار المصري، لاستغلاله في القضية الفلسطينية.

في الجانب الأمني، دخلت مصر حربا خاسرة مع تنظيمات مسلحة بسيناء، سرعان ما انتقلت إلى المدن الرئيسة للبلد، من خلال إقحام الدولة في صراع، كان فيه من الأجدى أن تكون فيه مصدرا للحل. فتارة يقال إن تلك الجماعات محسوبة على الإخوان أو على “داعش”، وتارة أخرى على تنظيمات غير معروفة، يكتفى بالإشارة إلى أنها موالية “للبغدادي”.

والمؤسف، أنه إذا استمر الوضع الأمني الحالي من إضرابات، عمليات إرهابية واختطافات، فقد يصاب الاقتصاد المصري بالشلل، فالسياح بدأ عددهم في التناقص مند بدء الثورة، ومعهم مداخل السياحة، إلا أن مصر تعول كثيرا على الاستثمارات الخارجية التي وصلت السنة الماضية إلى 18 مليار دولار، ومشروع قناة السويس الجديد، لخلق الآلاف من وظائف العمل، لكن عدم وجود ضامن لعدم استهداف قناة السويس بالألغام البحرية والعمليات الانتحارية وغيرها من المنشآت الحيوية مستقبلا، في ظل الانفلات الأمني، يجعل كل ذلك هشا.

فإصرار المتظاهرين على الاستمرار في الخروج إلى الشوارع والساحات العامة، والتعامل العنيف مع المتظاهرين، الذي يصل في بعض الأحيان إلى استخدام الرصاص، ينذر بتحول المظاهرات إلى مواجهات بالرصاص الحي، عوضا عن مواجهة رصاص الشرطة والجيش بالصدور.

فمشكل التزود بالسلاح في بلد كمصر غير مطروح مع وجود دولة فاشلة جارة كليبيا، إذا لم تنجح المصالحة الوطنية التي تمت في الصخيرات المغربية، برعاية أممية، ودولة أخرى في الجنوب، حيث الحروب من الثقافة الشعبية. بالإضافة، إلى العديد من الجبهات المشتعلة في الشرق الأوسط، وفي حالة تطور الأحداث إلى اقتتال داخلي، فإن إسرائيل لن تبقى مكتوفة الأيدي لحماية أمنها القومي، وبالتالي فهي لن تدخر جهدا في تدريب وتسليح جماعات إرهابية بواسطة جهازها الاستخباراتي الخارجي”الموساد”، مقابل حماية شريطها الحدودي مع مصر. كما أن الدعم الأمريكي سيميل لصالح حماية أمن إسرائيل، وليس حماية النظام القائم بمصر وشعبها.

وفي جميع الأحوال لا يمكن التفريق بين الأمني والاقتصادي والاجتماعي؛ فكون المواطن هو الأساس، يجعل هذا الأخير أكبر المتضررين. ففي حالة تطور الأمور واستهداف قناة السويس والمنشآت الحيوية للدولة، سيؤدي ذلك إلى هروب الاستثمارات وإفلاس خزينتها، وستكون بداية لتحول مصر إلى دولة فاشلة، لأن الدعم الخارجي في ظل تقلبات أسعار النفط لن يستمر إلى ما لا نهاية، والمواطن لن يعترف بعد ذلك بأي مرجعية كانت، فلا الإخوان ولا العسكر سيتمكنون من إقناع المعطلين فارغي الجيوب والجياع بالعودة إلى منازلهم وانتظار صدقات قد تصل أو لا تصل من الخارج. عندها سيكون الجميع في مفترق الطرق لن يستطيع فيه أحد، السيطرة على منحى تطور الأحداث أو التكهن بمآلتها.

وفي النهاية، يجب أن نشير إلى أن المصريين وعلى اختلاف مشاربهم مدعوون أكثر من أي وقت مضى إلى رص الصفوف والتعبئة لمواجهة تحديات المستقبل. فإما العمل يدا واحدة وتخطى الصعوبات من خلال وضع النقاط الخلافية جانبا، الالتفاف حول النقط المشتركة، نكران الذات وتقديم كل طرف لتنازلات مؤلمة للوصول إلى اتفاق، أو الاقتتال الداخلي والتشرذم. فموقع مصر الاستراتيجي داخل العالم العربي والإسلامي، القرب من إسرائيل، ومشكل نهر النيل بين دول المنبع ودول المصب، التي من بينها مصر، يلزم الجميع بتوجيه أسلحتهم إلى العدو الحقيقي، وعدم الجري وراء أوهام السلطة الزائفة، مع العمل على بناء دولة الحق والقانون، حيث يحس المواطن المصري، بوطنية كاملة، غير منقوصة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد