من هي تلك الأم التي تستحق أن تكون مثالية؛ فتنال التقدير والتكريم، وتكون مصدرًا للإلهام، وجديرة بأن تكون قدوة لبقية الأمهات؟ إنها تلك التي ضحت من أجل أولادها، وأفنت من أجلهم حياتها، تحرم نفسها، وتبذل كل وقتها لسعادتهم.

تلك الصورة التي اعتادت عليها أذهاننا للأم المثالية، التي ينجح أولادها، ويصعدون على حطام صحتها وروحها. هذا النموذج بالفعل يستحق التقدير والعرفان، إذا ما كان انصياعًا للظروف الصعبة، التي قادها إليها فقدان زوج أو ضيق حال أو ما إلى ذلك.

لكن ليس ذلك هو النموذج الحق الذي يجب أن يحظى بتقديرنا وتشجيعنا في الظروف الطبيعية، ليست الأم التي تنحصر كل حياتها وتتمحور حول أبنائها، ويتلاشى تدريجيًا كل هدف أو أمل لها في الحياة خارج إطار أولادها، فتصير أمومتها مقبرة أحلامها، أو الشماعة التي تعلق عليها، وتبرر بها خيبة آمالها وطموحاتها.

فهي بذلك لا تلبي احتياجات ومشاعر لديها، هي أساس لحياة صحية وسليمة، ولا يجعل منها إنسانًا سعيدًا، حتى لو ادّعت وعن قناعة بأن سعادتها في أسرتها فقط، وبالتالي يؤثر ذلك على زوجها وأولادها.

ولأن كل إنسان لابد له من احتياجات أساسية عليه تلبيتها «من شعور بالإنجاز والتقدير … إلخ، كما هو عليه هرم ماسلو»، فإنها تلجأ إلى أن يكون أبناؤها هم بوابتها لتحقيق ذلك، فيتحول ما يبدو على أنه ظلم لنفسها في سبيل سعادة أبنائها، إلى ظلم لهم، فتدفعهم ـ بقصد، أو بغير قصد ـ إلى تحقيق آمالها، وتحصيل النجاح من وجهة نظرها، والذي قد يتمثل في دخول كلية معينة، أو شغل منصب معين، أو تحصيل كم من المال والثراء.

وإذا ما حاول أحد هؤلاء الأبناء الحياد عن هذا المسار المخطط مسبقًا، والسعي لتحقيق أحلامه الشخصية أو البحث عنها، نجد منها فزعة وانهيارًا؛ لما تراه ضياعًا لمستقبل ولدها، وإيذانًا بنهايته، وتحوله لمتشرد في الشوارع والميادين، في حين إنه إحساس من يرى كفاح عمره، وموضع تضحياته، يضيع هباءً منثورًا؛ لأن فرصتها الوحيدة في الشعور بالإنجاز والنجاح، وجدوى الجهد والتضحية، وتحصيل معنى لحياتها، الذي تمثل في تحقيق هذه الأحلام الشخصية مهددة بالضياع، بدلًا من أن يكون السبيل إلى ذلك أن تراهم وقد صاروا أفرادًا صالحين، نافعين لأنفسهم ولغيرهم.

وليس من الضروري أن يكون دفع الأبناء لذلك بشكل مباشر، وإنما بثه فيهم من خلال مراحل التربية المختلفة، وتشجيعها لأمور معينة، وتصديرها لنماذج قدوة محددة، أو بترك إحساس الأبناء بالدين لها، ينمو بداخلهم، وأن الطريق لرد جزء من هذا المعروف هو تحقيق هذه الآمال والأحلام.

ولا يقتصر ظلم الأبناء، في تقييد حريتهم في اختيار ما سيكون عليه مستقبلهم، إنما امرأة سخّرت حياتها كلها لأولادها، وانقطعت عن كل أمل أو هدف يبقيها على اتصال بالعالم، ومواكبة تطوراته، أو يبقى على شعلة من حماس وطموح بداخله، يجعل من مطالبتها لأبنائها بالحلم والطموح نظريًا، دون قدوة يرونها أقرب الناس إليهم، أو على الأقل تجربة في محاولة تحقيق ذلك؛ يستفيدون من أخطائها، ويستنيرون بها في مشوارهم. يجعل من الأم مصدرا للحب والحنان، للأكل والشرب والغسيل، لكن لا يجعل منها معينًا لأولادها على الحياة، بما تحمله لهم من هموم وصعوبات متجددة، ولا يؤهلها لتكون بمثابة الصاحب أو الصديق الذي يشاركهم اهتماماتهم، ويفصحون له عما يدور بخلدهم.

يجعل منها إمرأة طيبة «على نياتها»، التي يمكن أن تتذوق من يدها «صينية البشاميل، أو طبق المحشي، والملوخية التي ليس لها مثيل»، والتي هي مصدر الدعاء والبركة، لكنها لا تصلح لمناقشتها وأخذ آرائها في القضايا العامة، أو طلب النصيحة منها في مشاكل شخصية، وترتبك عند محاولتها استخدام التكنولوجيا الحديثة.

ولا يعني ذلك أو يشير إلى ما هو رائج عن تمكين المرأة، وحقوقها، بأن عليها أن تعمل وتجعل من عملها أولوية أولى، وعلى الأب أن يناصفها مسئولية تربية الأبناء.

ولا يعني التقليل من دور الأم التي تتفرغ لأبنائها، فالتربية من أهم وأعظم المهمات، والتي لو أدركت المرأة أهميتها والوقت والمجهود اللازمين للإحسان في أدائها، لقلما وجدت وقتًا لشيء آخر، لكن كيف لها الإحسان، وهي منغلقة على نفسها، حاصرة حياتها في أبنائها، دون اطلاع وثقافة تثري حياتها، وبالتالي حياة أبنائها، ولا تتمكن من استخدام أدوات التكنولوجيا الحديثة؛ للتوسع في علم التربية والتغذية وقراءة الأبحاث والكتب المتخصصة، أو الإلمام بمشاكل هذا العصر وتحدياته، لتتمكن من تسليح أبنائها والتأكد من استعدادهم وجاهزيتهم لمواجهتها.

فالمراد أن يكون للأم وقت خاص تهتم فيه بنفسها، مظهرًا، فتشعر بجمالها وأنوثتها أولًا، ثم يشعر به زوجها، وجوهرًا فتخصص مساحة من الوقت؛ تغذي فيه عقلها وروحها، تبحث فيه عن سلامها، وتعبّر فيه عن نفسها، وتشعر فيه بكيانها، وتسعى فيه لتحقيق ذاتها، كان ذلك من خلال عمل «تحبه وترضاه، لا من أجل أن يكون مصدرًا للدخل وفقط» أو مساهمة في عمل خيري أو تنموي، أو ممارسة هواية … إلخ.

الأم المثالية الحقيقية هي التي تسلحت بكل معرفة وعلم، فتوفي أبناءها حقهم من التربية والرعاية والحنان، وزوجها من الاهتمام، ونفسها من شعور بالثقة والإنجاز والرضا عن النفس، والإحساس بالقيمة.

وليس الهدف من وراء هذا الكلام الانتقاص من قدر الأمهات، وما فعلوه في سبيل أبنائهن، فنحن لابد وأن نتحلى بالإنصاف، فلم يكن متاحًا لهن كل تلك الأدوات والمصادر للمعرفة، كما هو الحال الآن، وكانت التربية والتعليم والثقافة على حالها من التدهور والعجز، كما هو الآن، لكن ما يجب الانتهاء به والحرص عليه، هو أن يكون ذلك هو نموذج المرأة والأم الذي نربي عليه بناتنا، ونشجعه ونقدره في مجتمعنا، ويحرص على الزواج به شبابنا، وفي المقابل أن يعد الرجال أنفسهم

ويرتقوا بعقلهم ومعرفتهم ليستحقوا مثل هذه المرأة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد