القراءة تعتبر القنطرة التي تفصل بين الوعي واللاوعي، فصناعة الإنسان القارئ أمر مهم جدًا لبناء أية حضارة، ووضع بذور أي نهضة
صخر الغزالي – كاتب يمني

مدخل

إن المعـرفة سلاح التقدم وعماد الارتقاء، وهي وسيلة الأمم لتحقيق ذاتيتها الحضارية، وسبيلها لحجز مواقع متقدمة في سباق الإسهام الحضاري. والشباب بما ينتظرهم من مستقبل، هم أجدر من غيرهم بارتياد آفاق المعرفة وامتلاك أسرارها.. ويكثر الحديث عن إهمالهم للمعرفة وانصرافهم عن الاطلاع والقراءة الجادة- بشكل مؤلم للمهتم.. ولا أميل إلى أسلوب لوم الشباب والقرع على نواصيهم، دون الالتفات إلى ابتداع برامج عملية أكثر فاعلية، أو على أقل تقدير- الكتابة إليهم بدلًا عن الكتابة فيهم.

ومقال اليوم ذو صلة بمقال كنت قد كتبته العام الفائت لموقع إسلام أونلاين بعنوان: في المعرفة تأصيل للانتماء الحضاري. ضمن سلسلة كتاباتي حول المعرفة والتثقف لفئة الشباب وطلاب الجامعات على وجه الخصوص؛ لمشاركتهم في وضع نقاط على بعض الحروف، ورسم خطوات عملية للانطلاق في مشوار المعرفة.

ما المعرفة؟

المعرفة هي ما يمكننا الحصول عليه أو إنتاجه من معلومات بواسطة مصدر أو أكثر من مصادر المعرفة (الكون والوحي) وأدوات تحصيلها (العقل والحس،…) ولسنا بصدد مناقشة مصادر المعرفة وأدواتها في هذا المقال- وتطلق المعرفة كمرادف للعلم في الفضاء الثقافي العام وإن كانت للساحات الأكاديمية رؤيتها وتفريقها بين المصطلحين.

ولكل من مصادر المعرفة وأدواتها قيمة خاصة.. فما كان مصدره الوحي ليس للعقل إدراكه إلا عن طريق الوحي، وما نيط بالحس والتجربة فإنه يتوقف عليهما.. وهكذا..

وقد وهب الله عز وجل- الإنسان العقل وجعله مناط التكليف، حيث به يفهم خطاب الشرع، وبه يستخدم ما سُخر له في الكون الفسيح.

دوافع المعرفة

ولعل من أهم دوافع المعرفة أن يتعرف الشخص على ذاته وقدراته.. فيعرف موقعه من الكون والمجتمع ومهمته في كليهما.. وما يتبع ذلك من مسؤوليات وواجبات تعرف إجمالا برسالة الحياة.

وبما أن رسالة الحياة مهمة اجتماعية في المقام الأول، فإنها بلا شك مرتبطة بالقيم والاعراف الاجتماعية الخاصة بكل مجتمع على حدة.

وبما أن مجتمعات المسلمين بصورة عامة تستقي قيمها وآدابها وعاداتها من دائرة الحضارة والثقافة الإسلامية، فإن مدخلنا إلى المعرفة ينبغي أن يرتكز على هذه الدائرة الحضارية الكبيرة.

في الدائرة الحضارية

إن حضارة الإسلام باعتباره أسلوب حياة ونظام مجتمع وطريقة تفكير – تعني مجموعة الأفكار والقيم والتشريعات التي يعتقد بها المسلمون وتضبط سلوكهم، والمنبثقة عن نظرة الإسلام الشاملة للوجود والكون وموقع الإنسان بالنسبة إليه. (انظر يوسف محمود- الإنجازات العلمية في الحضارة الإسلامية).

وبما أن المصدرين الأساسيين للحضارة الإسلامية هما القرآن الكريم والسنة المشرفة، فإن الاستظلال بظلالهما الوارفة لهو خير معين للإبحار الآمن في المحيطات المعرفية الواسعة.

والمعرفة الحضارية تضيف للشخص المثقف، المطلع بعدًا مهمًا، وهو تحقيق الانتماء الواعي لحضارته؛ مما يزيد من ثقته بنفسه ويحقق له استقلالية حضارية واعية.

إضافة إلى ما سبق، فإن الرؤية من الزاوية الحضارية تعطي المثقف أبعادًا متعددة أخرى للنظر؛ مما يمكنه من توسيع آفاقه ومداركه بصورة كلية، ولعل طلبة المساقات التطبيقية يدركون أهمية النظر الكلي للظواهر الطبيعية أو المعملية للوصول إلى نتائج دقيقة، وبالمقابل يدرك طلبة الدراسات الأدبية والاجتماعية أهمية النظرة الشاملة عند دراسة الظواهر الاجتماعية أو دراسة المجتمعات.

الدائرة الحضارية الكبيرة للحضارة الاسلامية تتسم بسمات متميزة، فهي توائم بين المادة والروح، والعقل والوحي، وتجمع بين الثبات والتطور، وتدعو للعلم والعمل، والدنيا والآخرة (انظر محمد قطب- الثبات والتطور).

إضافة إلى ذلك فإن المدرك لطبيعة التصور الشامل للحضارة الاسلامية، يصبح مزدوج الحركة فعالًا منتجًا.. كيف لا، وقد أطلقت عقله وحررته من الخرافات والجهل والتخلف الفكري. وفتحت أمامه آفاقًا واسعة للانطلاق والتجريب والمعرفة، وقد أمدته بتصور صادق عن الكون وخالقه، فوفرت عليه طاقة هائلة كانت وما زالت تستنزف قدرات الإنسان وهو يضرب يمنة ويسرة في ظلمات التيه والشك والاضطراب والحيرة.

الدائرة الحضارية ركن الزاوية في البناء المعرفي، وصمام الأمان للإبحار العميق المتواصل.

رسالة

عزيزي الشاب القائد والطالب الجامعي القائد، لنجدد العزم على الانطلاق في فضاءات المعرفة الإنسانية الواسعة، نستقي من الحكمة أينما وجدناها وحيثما حلت، نطيل البحث ونجيل النظر، ساعين لرفعة أوطاننا وتنمية مجتمعاتنا التي تنتظر منا الكثير الكثير، ولنبدأ بالتعرف على حضارتنا لنحقق ذواتنا وندرك أقدار أنفسنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

في المعرفة تأصيل للانتماء الحضاري - مقال للكاتب بموقع إسلام اونلاين
القراءة وأثرها في بناء الوعي - مقال بمدونات الجزيرة للكاتب اليمني صخر الغزالي
عرض التعليقات
تحميل المزيد