في تصريح لها على موقعها الرسمي، أعربت مؤخرًا «الحركة من أجل حياة السود» (The Movement for Black Lives)- وهي منظمة ائتلافية تضمن العديد من المنظمات التي تدافع عن حقوق السود في أمريكا، بما في ذلك حركة «حياة السود مهمة» (Black Lives Matter) – عن تضامنها مع مسيرات العودة ودعم الفلسطينيين الذين يقاومون على حدود غزة. «عندما نشاهد الهجمات الوحشية على الناشطين البواسل، والتي استمرت خلال وبعد فتح السفارة الأمريكية في القدس، نتذكر وبألم ما حصل للسود هنا عندما قرروا المقاومة» كما جاء في التصريح.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تقف فيها المنظمات والقادة السود هنا في الولايات المتحدة مع القضية الفلسطينية. لعل أهم ما يربط السود بالفلسطينيين هو النضال المشترك، تاريخيًا وحاضرًا، ضد العنصرية والاضطهاد والظلم والعنف. فبالرغم من تباين أبعاد وماهية القضيتين، إلا أن هناك الكثير من التشابه بين معاناة السود والفلسطينيين وكفاحهم المستمر من أجل العدالة والتحرر من ظلم المستعمر وفوقية وهيمنة العرق الأبيض. وقد أكدت الحركة هذا الترابط بين النضالين في تصريحها: «نعلم أننا مرتبطون مع الفلسطينيين من خلال مطالبنا المشتركة بالاعتراف بنا وبالعدالة، وتاريخنا الطويل من التهجير والعنصرية والعنف».

رغم أن القانون الأمريكي ينص على المساواة بين البيض والسود، إلا أن السود ما زالوا يواجهون تحديات مشابهة لتلك التي يواجهها الفلسطينيون، خصوصًا فيما يتعلق بالعنصرية والظلم والاعتقالات والعنف. إذ نجد في أمريكا اليوم الكثير من السود مشردين بلا مأوى أو خدمات اجتماعية، كما أنهم غالبًا لا يحظون بفرص متكافئة مع البيض في العمل والدخل والتعليم وما إلى ذلك. وكما يتعرض الفلسطينيون كافتهم، بما في ذلك النساء والأطفال، للاعتقالات التعسفية من قبل إسرائيل، يتعرض السود في أمريكا إلى الاعتقال بمعدلات أكبر بكثير من نظرائهم البيض. تتشابه معاناة السود والفلسطينيين أيضًا في مواجهة العنف، فكما يعامل بالعنف الفلسطينيين على أيدي قوات الاحتلال، يعاني السود من عنف الشرطة، وكثيرًا ما يتعرضون لممارسات بوليسية متعسفة.

وفي إشارة لمقاربة المعاناة الفلسطينية بمعاناة السود وتأكيد ارتباط القضيتين، أكد تصريح «الحركة من أجل حياة السود» أن الولايات المتحدة ترسل نفس الأسلحة إلى تل أبيب لقتل الفلسطينيين كتلك التي أرسلتها إلى فيرغسون (المدينة الأمريكية التي شهدت احتجاجات واسعة بعد مقتل مايكل براون، وهو شاب من أصول أفريقية، على أيدي الشرطة) وعشرات المدن الأخرى لممارسة العنف ضد السود. كما ذكر البيان أن عناصر الشرطة الأمريكية يتم تدربيها سنويًّا من قبل القوات الإسرائيلية وتلقينها نفس أساليب الظلم والقتل والترصد التي تنتهجها إسرائيل في فلسطين.

وقد دشنت «الحركة من أجل حياة السود» حملة مناهضة لإسرائيل، حيث اعتبر ميثاق الحركة إسرائيل دولة فصل عنصري (apartheid state) شبيهة بنموذج الأبارتايد الأفريقي– وبذلك تمت مقارنة معاملة السود في عصور العبودية والعنصرية بمعاملة الفلسطينيين في إسرائيل. فكما فرض الأبارتايد في أفريقيا قوانين تسمح باستغلال وإقصاء وعزل السود من قبل الأغلبية البيض، تقوم إسرائيل بفرض قوانين مشابهة لعزل واضطهاد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وذلك من خلال جدار الفصل العنصري لعزل الأراضي الفلسطينية وكذلك إقامة المستوطنات والتمييز وعدم المساواة بين العرب واليهود… إلخ. كما دعمت الحركة الحملة العالمية لمقاطعة إسرائيل المعروفة بـ(BDS)، ووصفت الجرائم التي ترتكبها إسرائيل بالإبادة الجماعية (genocide)، واعتبرت أن الولايات المتحدة تشرعن الحرب العالمية على الإرهاب من خلال تحالفها مع إسرائيل، وأنها بذلك متورطة أيضًا في الإبادة الجماعية التي ترتكب بحق الفلسطينيين.

إن مسيرة التضامن المشترك بين السود والفلسطينيين لها أبعاد استراتيجية مهمة، وخاصة في ظل تصاعد اليمين المتطرف، وتزايد التوتر العرقي والعنصرية في أمريكا. فبالرغم من هيمنة النفوذ الصهيوني وحرص إسرائيل على تلميع صورتها، والتأثير بالرأي العام الأمريكي من خلال البروباغندا التي تروج لشرعنة الاحتلال وتصنيف الفلسطينيين باعتبارهم إرهابيين، لم يمنع ذلك إحدى أهم الحركات الناشطة في أمريكا في القرن الواحد والعشرين من تبني القضية الفلسطينية ومناهضة إسرائيل والضغط على الحكومة الأمريكية لوقف دعم إسرائيل.

إن تضامن السود مع القضية الفلسطينية يضعف الرواية الإسرائيلية التي تسعى إلى تصوير الصراع على أنه قضية إرهاب وتطرف ديني، ويؤكد أن النضال الفلسطيني هو نضال من أجل الحرية والعدالة ومقاومة الظلم والقمع. كما أن تضامن السود مع الفلسطينيين وربط القضية الفلسطينية بقضايا العنصرية والاستقطاب الإثني يؤرق الاحتلال الذي يخشى من أن تتأثر حركات أخرى مناهضة للعنصرية، وداعمة لحقوق السود، حول العالم بهذا التضامن، وبالتالي أن تتبنى هي أيضًا القضية الفلسطينية.

وفي عصر تراجع الديمقراطيات في العالم، وصعود الحركات القومية، وانحطاط القيم وضياع حقوق الإنسان وكرامته، وتخلى بعض العرب وقادتهم عن القضية الفلسطينية، فإن اتحاد وتضامن الحركات الناشطة من أجل الحرية والعدالة، وإدراكها أن نضالها ضد الظلم ليس منفصلًا عن نضال الشعوب الأخرى، هو أمر مهم أكثر من أي وقت مضى!

ثم إن نموذج التضامن بين الفلسطينيين والسود يذكرنا بإنسانيتنا المشتركة، ويؤكد لنا أن الحرية والعدالة والكرامة والعيش في سلام هي مطالب عالمية عابرة لكل الحدود، لا تقتصر على عرق أو لون أو حضارة أو دين أو شعب، لأنها ببساطة مطالب إنسانية. فبالرغم من اختلاف لغتهم وجنسيتهم وثقافتهم، وبالرغم من كل الأشياء التي تفصل «الغرب المتحضر» عن «الشرق المتخلف،» كما تروج آلة الدعاية الغربية، اتحد السود مع الفلسطينيين في نضالهم المشترك ضد الظلم والاضطهاد، مدركين بذلك أن «الظلم في أي مكان هو تهديد للعدالة في كل مكان» كما قال مارتن لوثر كينغ الابن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد