كان مقتل الحسين بن علي في كربلاء في عام 61هـ/680م، بمثابة الأمر العظيم الذي صدم الشيعة والعلويين في كل أنحاء الدولة الإسلامية، ولاسيما في العراق التي عرفت منذ وقت مبكر من عمر الخلافة الإسلامية بتشيعها وميل أهلها إلى علي بن أبى طالب وأبنائه.

 

 

 

 

 

وكان أهل الكوفة هم أكثر من فجعوا وتألموا عقب مقتل الحسين؛ ذلك لأنهم كانوا هم الذين راسلوا الحسين بن على ووعدوه بالنصرة والتأييد والقتال في صفه ضد الأمويين، وكان من الطبيعي أن يحس الكثير من الكوفيين بالندم والحسرة على تخاذلهم عن نصرة الحسين، وحاول عدد منهم أن يبحث عن سبيل للتكفير عن ذنبه وغسل يديه من دم الحسين.

 

 

 

 

وكانت تلك المشاعر سبباً في تجميع عدد كبير من رجال الكوفة، وعرف هؤلاء باسم التوابين وذلك لأنهم كثيرا ما كانوا يرددون في مجالسهم قول الله تعالى (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم)، ويطلق المسعودي اسم “الترابيون” على تلك المجموعة، وذلك لشدة تعصبهم وتشيعهم لأمير المؤمنين علي بن أبى طالب وبنيه من بعده.

 

 

 

 

وكان من الطبيعي أن تتم الاجتماعات بين التوابين بشكل سري، وذلك خوفاً من الأمويين وعاملهم في الكوفة “عبيد الله بن زياد”، وقد تزعم حركة التوابين خمسة رجال، عرفوا بنصرتهم للبيت العلوي والاشتراك في معارك علي بن أبى طالب ضد الخارجين عليه زمن خلافته، وهؤلاء الرجال هم:

 

 

 

 

 

  • سليمان بن صرد الخزاعي
  • المسيب بن نجبة الفزاري
  • عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي
  • عبد الله بن وال التميمي
  • رفاعة بن شداد البجلي

 

 

 

 

 

 

وكان اعتقاد التوابين أنهم قد أجرموا بتقاعسهم وتخاذلهم عن نصرة الحسين في كربلاء، وأن ذلك الجرم لن يتم غفرانه إلا بقتل من قام بقتل الحسين أو أن يتم قتلهم أثناء محاولة الانتقام.

 

 

 

 

 

 

وبعد وفاة الخليفة الأموي يزيد بن معاوية عام 64هـ/683م، أصبحت الفرصة سانحة أمام التوابين للجهر بدعوتهم، خصوصاً وأن القبضة الأموية على الكوفة قد ضعفت عقب وفاة يزيد والتخبط الحادث في البيت الأموي وأعلان “عبد الله بن الزبير”   لنفسه كخليفة للمسلمين وأمام تلك المتغيرات السريعة، دعا التوابون إلى الأخذ بثأر الحسين بن علي، وانضم لهم الكثير من الرجال ورفع هؤلاء شعار ” يا لثارات الحسين ”

 

 

 

 

 

 

 

وكان أهل الكوفة قد أخرجوا الأمويين من مدينتهم، واستطاع عبد الله بن الزبير في تلك الفترة أن يمد سيطرته ونفوذه إلى العراق، وبعث عبد الله بن يزيد الأنصاري والياً من قبله على الكوفة. ولم يحاول عبد الله بن يزيد أن يتصادم مع قوة التوابين، وذلك لأنه كان يعرف أن تلك القوة موجهة في المقام الأول إلى عدو مشترك وهو العدو الأموي،

 

 

 

 

 

 

ويظهر ذلك بوضوح عندما حاول بعض وجهاء الكوفة أن يؤلبوا عبد الله بن يزيد لقتال التوابين، فكان رده عليهم ” الله بيننا وبينهم إن هم قاتلونا قاتلناهم وإن تركونا لم نطلبهم وليس لدينا ما يمنع خروجهم على من قتل الحسين ”

 

 

 

 

 

 

وعلى الجانب الآخر، فإن التوابين كانوا مترددين كثيراً في الهدف الذي يجعلونه أمامهم، فبعضهم كان يرى أنه من الاولى أن يتم التخلص من الأشراف الكوفيين الذين ساهموا كثيراً في هزيمة الحسين وتفريق الناس عنه، بينما كان هناك فريق آخر منهم يرى أن هدفهم الرئيسي هو الأمويون الذين قتلوا الحسين وأهل بيته في كربلاء، وقد حسم سليمان بن صرد الزعيم الأكبر للتوابين هذا الخلاف، وأعلن ان قتال الامويين مقدم على قتال غيرهم وعزم على أخذ الثأر منهم.

 

 

 

 

 

 

 

وفى أول ربيع الثاني من عام 65هـ/17نوفمبر684م، تجمع التوابون في منطقة “النخيلة” ووجهوا الدعوة إلى جميع أنصارهم في العراق للانضمام لهم، وفى يوم الجمعة 5 ربيع الثاني/21نوفمبر توجهوا إلى كربلاء وأمضوا ليلتهم عند قبر الحسين وأخذوا العهود والمواثيق على أنفسهم وبعد ذلك انطلق التوابون إلى منطقة “عين الوردة”

 

 

 

 

 

 

 

 

وبعد خمسة أيام من الانتظار في عين الوردة، تلاقى التوابون مع الجيش الأموي الذي يقوده عبيد الله بن زياد وكان ذلك في يوم الأربعاء 22 جمادى الاولى/6يناير وكان عدد التوابين في تلك المعركة حوالي 4000 رجل  ، بينما كان عدد المقاتلين في الجيش الأموي يزيد عن الثلاثين ألف رجل  ، وقد حاول الجيش الشامي قبل المعركة أن يقنع التوابين بترك القتال،

 

 

 

 

 

وكذلك فإن التوابين طلبوا من أهل الشام أن يخلعوا عبد الملك بن مروان من الخلافة وأن يقدموا عبيد الله بن زياد للاقتصاص منه وأنهم سوف يبرؤن من حكم عبد الله بن الزبير، ويردون أمر الخلافة إلى أهل بيت النبي(صلى الله عليه وسلم)   .

 

 

 

 

 

وكان من الطبيعي أن يرفض كل من الطرفين شروط الطرف الآخر، وابتدأ القتال بين الطرفين ورغم التفوق النسبي للتوابين في أول المعركة، إلا أن الجيش الشامي استطاع أن يسير المعركة لصالحه بعد ذلك، خصوصاً بعد مقتل زعيم التوابين سليمان بن صرد، ورغم وضوح النهاية المحتومة للمعركة فإن معظم التوابين قد استمروا في القتال حتى النهاية ولم يتراجع منهم إلا عدد قليل.

 

 

 

 

 

 

 ومن الملاحظات على حركة التوابين:

  • إن الدافع الرئيسي لتلك الحركة كان التكفير عن قتل الحسين، ولذلك لم يضع قادة الحركة خطط استراتيجية واضحة لحركتهم، ولم يكن يهمهم سوى الانتقام من الجيش الأموي، وكان في ذلك تغليب للنواحي العاطفية على النواحي الواقعية.
  • لم يستطع التوابون أن يضعوا تخطيطا محكماً لحركتهم، فقد سارعوا بالتحرك لقتال الجيش الأموي بدون أن ينتظروا اكتمال حشودهم.
  • إن جميع قادة الحركة كانت أعمارهم تزيد عن الستين عاماً، وكانوا قد حاربوا في صف علي بن أبى طالب في حروب الجمل وصفين والنهروان ولم يتواجد بين قادة التوابين أحد من الشباب القادرين على تجديد الدماء ووضع الخطط وحشد الجموع.
  • إن الحركة قد تمت في معزل تام عن آل البيت، فلم يحدث أي اتصال بين قادة الحركة وأحد من أقارب الحسين بن علي، وهذا الأمر أثر كثيراً في ضعف الحركة لافتقادها نوعا مهماً من الدعاية السياسية، الأمر الذي انتبه له “المختار الثقفي” فيما بعد.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(تاريخ اليعقوبي) لليعقوبي
2- (تاريخ الرسل والملوك) للطبري
3- (مروج الذهب ومعادن الجوهر) للمسعودي
4- (البدء والتاريخ) ل المطهر بن طاهر المقدسي
5- (الشيعة العربية والزيدية) ل محمد إبراهيم الفيومي
6- (الانتفاضات الشيعية) ل هاشم معروف الحسني
عرض التعليقات
تحميل المزيد