يرجع اهتمام المسلمين بالهند إلى عهد الخلفاء الراشدين: فقد شنوا عدة حملات على أطراف هذه البلاد، إلا أن أول حملة نظامية كانت في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك.

 

وقد شهد الإسلام هناك عدة مراحل بدأت ببدايته الحقيقية على يد الغزنويين، ومن بعدهم الغوريين، تلا ذلك المماليك، وآل تغلق، والخلجيين، حتى وصلت إلى دولة المغول والتي كانت من أعظم الإمبراطوريات التي حكمت الهند.

 

ويعد ظهير الدين محمد بابر أحد كبار رجال التاريخ الإسلامي عامة، وتاريخ الهند خاصة، فهو من أبرز الشخصيات المغولية على المستويين السياسي والأدبي، وهو مؤسس دولة المغول في الهند التي استمرت في الحكم من القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، إلى أواخر القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي.

 

وقد غزا بابر الهند خمس مرات، لم تكن الأربع الأولى أكثر من مجرد حملات استطلاعية؛ حتى جاءت معركة بانيبات 21 من مايو 1526م، حيث استمرت المعركة لمدة سبع ساعات، واجه فيها المسلمون المغول، جيشًا قوامه مائة ألف جندي، وألف فيل، ووضع انتصار المسلمين حدًا لحكم الملوك التي كانت تحكم الهند آنذاك؛ والتي كانت شبيهة إلى حد كبير بملوك الطوائف في الأندلس؛ لما بينهم من تناحر، وتنافس، والذي كاد يقضي بالكلية على دولة الإسلام هناك، وكان هذا النصر إيذانا ببدء الحكم المغولي وفتح صفحة جديدة في تاريخ الهند .

 

وقد شهدت فترة ولاية السلطان المغولي بابر لبلاد الهند (1525م – 1530م) طفرة حضارية؛ وخاصة في مجال العمارة، فشيد القصور والمساجد والحمامات والنافورات وخزانات المياه، في أكرا وسكرى وبيانة ودهلبور وكواليار وكول وغيرها من المدن، واستخدم بضعة آلاف من النحاتين والبنائين والمهرة في بنائها، وقد بقى من إنجازاته المعمارية حتى الآن ثلاثة مساجد في بانيبات وسنبل، وحصن اللوديين في أكرا.

 

ودفعه ولعه بالطبيعة إلى إقامة الحدائق والبساتين الغناء، منها بستان جارباغ بأكرا، وجلب إليها كثيرا من النباتات وأشجار الفاكهة التي لم تكن تعرفها الهند من قبل.

 

وعلى المستوى الأدبي فيكفي هنا ذكر بابرنامة، وهي: سيرة السلطان التي كتبها بنفسه، وقد كتبها بلغة تركية، وبأسلوب سهل جميل ومعبر، وهي تنم عن إلمام صاحبها بأصول الثقافة الإسلامية، وآداب العربية والفارسية والتركية، ولهذا تعد من الآثار الأدبية العظيمة، وتحتل مكانة خاصة في الأدب التاريخي الهندي، ولم تزل تنال تقديرا عالميا؛ بفضل ما تمتاز به من الوضوح في تصوير شخصية مؤلفها، بفضائله ورذائله وانتصاراته وهزائمه، وما صادفه من محن ومتاعب، وما كان يجري في مجالسه.

 

وقد خلف السلطان ظهير الدين محمد بابر ولده همايون ( 1508 م – 1556 م )، وكانت أفْعاله تتسم بالرحمة، ورُبما استدل البعض بتلك الأفعال على ضعف في شخصيته، وكان همايون حين تولى الحكم، لم يتجاوز الثلاثة والعشرين من العمر، وبدأ فترة ولايته بتقسيم الإمبراطورية على إخوته الثلاثة، وهو الأمر الذي ندم عليه فيما بعد؛ لأنهم حاولوا جميعاً الكيد له بكل قوتهم لإسقاطه عن العرش.

 

وقد خاض العديد من الحروب خلال فترة حكمه للمحافظة على حدود دولته وتوسيعها، وكان خلال تلك المعارك شجاعاً جسوراً يعرف كيف يخطط للحرب، واكتسب خبرة كبيرة مع الوقت في فنون القتال، كما كان محبا للكتب والمكتبات، فضمت مكتبته الملكية عددا ضخما من الكتب، كما كان شغوفا بالاطلاع على أفضل المؤلفات في عصره، وكان يصطحب معه في خروجه للقتال نخبة من الكتب المختارة لاستعماله الخاص خلال استراحة المحارب، واشتهر البلاط المغولي في عهد همايون بالفخامة وأحيانا الترف المبالغ فيه.

 

وإليه يرجع الفضل في ابتداع بعض فنون العمارة، وكان من أعجب أعمال همايون القصر الخشبي المتحرك ذو الطبقات الثلاث، والذي ركبت أجزاؤه بمهارة فائقة، حتى لتبدو وكأنها قطعة واحدة، ووضعت السلالم التي تؤدي إلى الطابق العلوي، بحيث كان من اليسير فكها وإعادة تركيبها، ويعتبر قبره الذي شيدته أرملته حميدة بعد موته نموذجاً معمارياً رائعاً، وهو الذي مهد لبناء تاج محل على نفس الطراز.

 

 

ومن الإنصاف عند الحديث عن دولة المغول في الهند وحضارتها أن نذكر السلطان الأفغاني الأصل السُني المذهب شير شاه صوري (1486م- 1545م)، وقد لُقِبَ بالملك النمر أو الملك الأسد.

 

حكم شمال الهند أوائل القرن السادس عشر، وأوشك أن يطيح بالإمبراطورية المغولية مستغلا قوته، مما أدى إلى فرار السلطان المغولي همايون، واستولى شير شاه على مقاليد الحكم، فأثبت خلال فترة حكمه موهبة وجدارة، وكان رجل إدارة وسياسة من الطراز الأول.

 

وقد وضع قواعد للحكم والنظام والإدارة بقيت أساسا سار عليه من جاء بعده من المغول، حيث قسم شير شاه مملكته إلى سبعة وأربعين مديرية، وعين عليها رؤساء القبائل بهدف الحد من أطماعهم، وقسم كل مديرية إلى مجموعات من المدن ـ مقاطعات ـ تسمى ساركار، ويحكم كل مقاطعة موظفان مدنيان كبيران، اختص الأول بتطبيق القانون، وفرض النظام، بينما كانت مهمة الثاني الحكم في القضايا المدنية والخلافات.

 

ثم قسم كل مقاطعة إلى مراكز عدة، ويضم كل مركز عددا من القرى، وكان السلطان نفسه رأس هذا النظام، وقد قُتِلَ شير شاه صوري في معركة، بينما كان يحاول توسيع أراضيه، وتسلم ولده زمام الأمور لمدة تقدر بحوالي عشر سنوات أخرى، نجح بعدها المغول في استرجاع عرشهم مرة أخرى بعد أن استنجد همايون بالشاه الصفوي طهماسب.

 

وقد كانت الأعمال الإصلاحية التي جرت في عهد شير شاه ذات فائدة كبرى للمغول؛ حيث نتيجة لاستقرار حكمه قويت الإمبراطورية، وتماسكت ورسخت لحكم جلال الدين أكبر بن همايون، والذي يعد من أهم ملوك دولة المغول في بلاد الهند (1542 م – 1605 م).

 

 

وقد بدأ عهده الأول بالعدل والخير وقرب إليه أهل العلم والصلاح، ثم نكص على عقبيه، وارتد ردة لم يشهد مثلها سلطان مسلم حكم بلدًا شاسعًا مثل الهند.

 

وقد حكم حوالي خمسين عاما أسهم خلالها بجهوده في نهضة البلاد، وجعل الدولة المغولية في الهند من أفضل الدول في العالم آنذاك، وضم في عهده الكجرات والبنغال وكابل والدكن وغيرها، وبذلك أضحت الدولة المغولية أقوى الدول الإسلامية وأكثرها ثراء، إلا أن ذلك لا ينفي انحرافه الديني في المرحلة الثانية من حياته، حيث عبث بالعقيدة الإسلامية الصحيحة وأباح الكثير من الموبقات.

 

واستعان بحاشية وعلماء من الشيعة، وأحاط نفسه بعلماء السوء والذين كانوا يتسابقون لكسب مودة الملك، وتبرير سياساته، وكان أكبر محبا للبدع والخرافات، حتى وصل به الأمر إلى أن سعى إلى إختراع دين جديد عرف باسم: الدين الإلهي، أو الدعوة الإلهية، والذي عُرف أيضا بالمذهب الأكبري، والذي عمل فيه على توحيد (الإسلام والمسيحية والهندوسية) في دين واحد.

 

وبرغم سيطرته الكاملة على بلاد الهند، إلا إن السواحل في عهده أضحت أغلبها تحت السيطرة البرتغالية، وأصبحت التجارة بيدهم وأصبح لهم مراكز قوية على الساحل !

وقد جاء بعد السلطان أكبر ابنه جهانكير والذي تميز بالضعف والكسل، وكان أول من وقع معاهدة مع شركة الهند الشرقية البريطانية، والتي سمحت بالتدخل الأجنبي في شئون البلاد وقادتها للاحتلال لاحقا، وقد خلف جهانكير ابنه السلطان شاه جهان (1592 م – 1666 م) والذي يعتبر عملاقا من عمالقة التاريخ الهندي، وسيظل كذلك بآثاره الفنية الرائعة الباقية التي تدل على الذوق الفني الرفيع والازدهار المالي مما لم تر الهند مثيلا له، فقد زين بلاده بمجموعة من المنشآت المعمارية الفخمة التي ما تزال آثارها إلى اليوم بأكرا، ومدينة نيودلهي التي تشهد على عظمة بانيها، والمثوى الفخم الذي يعرف باسم تاج محل، الذي أنشأه تخليدا لذكرى زوجته التي قضت نحبها في ريعان شبابها.

 

وقد قام بتوسعة حدود الدولة المغولية: بأن ضم أجزاء من مرتفعات الديكان؛ كما استطاع استرداد إقليم “قندهار” من أيدى الفرس، واتصف شاه جهان برجاحة العقل، والذكاء، وقوة العزيمة، فنجح في دحر الثورات التي قامت ضده في بداية حكمه في “الدكن”، كما يحسب له مواجهته الحازمة للتجار البرتغاليين الذين كانوا يعيثون في الأرض فسادا، وقضاؤه عليهم.

 

لكن آخر عهده شهد ضعف للسلطنة وظهرت بوادر الفتن والثورات بعد أن فُتِنَ شاه جهان بموت زوجته “ممتاز محل”، لذلك فقد قام ابنه أورنجزيب عالمكير (1619 م – 1707 م) بانتزاع الحكم منه وبذل جهودا حثيثة لتصحيح الأوضاع، خاصة مسيرة العقيدة الإسلامية في بلاد الهند؛ بعد العبث الشديد الذي أحدثه أبو جده “جلال الدين أكبر”، وقد حكم أورنجزيب حوالي خمسين عاما، وشهد عصره وصول الدولة إلى ذروة قوتها وأقصى اتساعها من جهة، وبداية تدهورها وهبوطها من جهة أخرى، واستطاع بجدارة تحويل شبه القارة الهندية إلى ولاية مغولية إسلامية، ربط شرقها بغربها، وشمالها بجنوبها تحت قيادة واحدة.

 

 

وخاض المسلمون في عهده أكثر من 30 معركة قاد هو بنفسه منها 11 معركة وأسند الباقي لقواده، وقد انفرد أورنجزيب عن سلاطين المغول الآخرين بأخلاقه الكريمة وتمسكه بالمثل العليا والقيم الدينية، فقد كان تقيا ورعا وسط بيئة مترفة منغمسة في اللهو، وكان فارساً شجاعاً لا يشق له غبار، جاهد في نشر لواء الإسلام وإعلاء شأن المذهب السني، وقضى وقته يحفظ القرآن ويصوم أغلب أيام حياته، وينظر له الملسمون في الهند نظرتهم إلى أولياء الله الصالحين.

 

ويصفه الشيخ “علي الطنطاوي بأنه “بقية الخلفاء الراشدين”، وقد كان على دراية كاملة بمخططات الهندوس والشيعة، خصوصا الأفغان منهم، فحارب الهندوس وأعفاهم من المناصب الهامة، واستعاد الأراضي التي كانوا قد استولوا عليها، ومنع دخول الشيعة إلى صفوف الجيش؛ وذلك لخيانتهم المتكررة، وأبطل الاحتفال بالأعياد الوثنية مثل عيد النيروز، ومنع عادة تقبيل الأرض بين يديه، والانحناء له، ومنع الخطب الطويلة التي تقال لتحية السلطان واكتفى بتحية الإسلام، كما منع دخول الخمر إلى بلاده، وصرف أهل الموسيقى والغناء عن بلاطه.

 

ورويت في ذلك قصة: أنه كان يوما خارج قصره فرأى الموسيقيين والقينات يلبسون السواد ويبكون ويحملون نعشا، فسأل ما هذا ؟ قالوا : هذا الغناء والمعازف نذهب لدفنها، فقال: إذن أحسنوا دفنها لئلا تقوم مرة أخرى. وقد أقام السلطان أورنجزيب علاقات مصلحة على المستوى الحربي والتجاري مع الإنجليز؛ وذلك لخلق نوع من التوازن في الصراع، بعد أن تحالف الهندوس مع البرتغاليين، فسمح للإنجليز بفتح وكالات تجارية في الهند تشرف على مراكزهم التجارية، واستغل الإنجليز هذه السماحة من السلطان فعمدوا إلى مد نفوذهم، ومناهضة الدولة، ووحد الإنجليز جهودهم التجارية على ساحل الهند في شركة واحدة هي شركة الهند الشرقية.

 

وخلال نصف قرن حرصوا على البعد عن التدخل في أمور الدولة الداخلية حتى تثبتت أقدامهم في البلاد، وبدا وكأن أعمالهم في الهند تجارية بحتة وليست إستعمارية، إلا أن أطماعهم الدفينة ما لبثت أن كشرت عن أنيابها فنشبت معركة بلاسي عام 1757م التي تعد أول المعارك الحاسمة بين الطرفين، وبمساعدة المنافقين والعملاء الذين تم تجنيدهم عبر عشرات السنين انتهت المعركة بهزيمة ثقيلة للمسلمين، إلا أن احتلال الإنجليز للهند لم يتم فعليًا إلا بعد قرن من الزمان بعد معارك طاحنة بين الطرفين.

 

 

وقد عاش آخر سلاطين المغول في كنف المستعمر البريطاني يأتمر بأمره دون سيطرة حقيقة منه على مقاليد الحكم، حتى جاء مشهد النهاية في 30 مارس 1858 حين قبض البريطانيون على السلطان بهادر شاه وحاكموه هو وأسرته ثم نفوه إلى بورما، وأعلنوا بعد ذلك ضم شبه القارة الهندية كلها إلى إمبراطوريتهم، ولقبوها بـ”درة التاج البريطاني” لتمارس سلطتهم الحكم بشكل مباشر، وتنهي الحكم الإسلامي في الهند والذي دام لأكثر من ثمانية قرون، وتسقط دولة المغول الإسلامية في الهند، والتي حكمت البلاد لأكثر من ثلاثة قرون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المغول, الهند
عرض التعليقات