العلاقة القوية والتعاونية القائمة بين جمهورية الصين الشعبية وجمهورية إيران الإسلامية هي أكثر بكثير من النفط، لكن هناك دائمًا ميل مؤسف لتقليص هذه العلاقة بين الطرفين بإمدادات إيران واستهلاك الصين من النفط، حيث إن الإمداد بالبترول هو في الواقع بعد مهم واحد للعلاقة الصينية الإيرانية، لكنه في الوقت نفسه تبسيط فاحش لأوجه العلاقة الأخرى بين الطرفين، فالعلاقة بين الصين وإيران هي أيضًا علاقة عن قوتين صاعدتين طموحتين تنظران إلى بعضهما البعض على أنهما يشتركان في الكثير من المصالح ووجهات النظر، كما أنهما يرون بعضهما البعض كشركاء محتملين ومهمين في ما يعتقد أنه سيكون عصرًا جديدًا قادم يجري فيه تقليص دور الولايات المتحدة في العالم بكثير، لهذا فإن العلاقة بين الصين وإيران هي علاقة تدور حول دولتين لهما تشابه في التفكير وطموحات غير راضية عن الحالة الراهنة للهيمنة الأمريكية على الشؤون الدولية، كما ينظر اليوم إلى الشراكة الصينية الإيرانية القوية كعنصر مهم في عالم متعدد الأقطاب ما بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

لقد بدأت العلاقات الصينية الإيرانية الحديثة خلال السبعينات من القرن العشرين، وذلك عندما تشاطر الصين مع (ماو تسي تونغ) وإيران الشاه (محمد رضا بهلوي) مجموعة واسعة من المخاوف بشأن توسع النفوذ السوفيتي في جنوب آسيا وشبه الجزيرة الهندية والشرق الأوسط والقرن الأفريقي، حيث كانت إيران في عهد الشاه تعمل على إثبات نفسها كقوة مهيمنة في الخليج العربي وبحر العرب، وذلك بدعم أمريكي في إطار مبدأ نيكسون لدعم القوى الإقليمية لتقاسم عبء احتواء الاتحاد السوفياتي، كما حدث تطور كبير وسريع بين السياسات الصينية والإيرانية، وذلك من خلال دعم باكستان ضد المزيد من الغزو السوفياتي المدعوم من الهند (في أعقاب تمزيق باكستان في حرب 1971)، ومكافحة التمرد المدعوم من السوفيت في إقليم عمان الجنوبي والتحركات السوفيتية/الكوبية في القرن الأفريقي، ودعم التحول المصري بعيدًا عن الاتحاد السوفيتي تحت حكم أنور السادات، كما واقتربت الشراكة الصينية الإيرانية لحد أن الشاه في عهده النهائي، وذلك في الوقت الذي بلغت فيه الأزمة الإيرانية ذروتها في 1978، أخذ الانطباع بأن الصينيين كانوا وحدهم يؤيدون وجود إيران قوية بقيادته.

طبعًا انهارت العلاقة بين الصين وإيران مع الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، وذلك جزئيًا بسبب احتضان بكين الشديد للشاه، لكنه تم إعادة بناء العلاقات الصينية الإيرانية سريعا عندما حصلت بكين على صفقات لتزويد متطلبات طهران من الأسلحة الرخيصة والثقيلة خلال الحرب العراقية الإيرانية – التي بدأت في سبتمبر (أيلول) 1980 وانتهت في سبتمبر 1988 – حيث كانت إيران شديدة الأهمية للصين، حتى أن بكين قدمت أموالًا كبيرة كمورد رئيسي للأسلحة في طهران خلال تلك الحرب.

لكن النظر إلى الاقتصاد فقط وهو الربح من مبيعات الأسلحة، هو عامل ضيق للغاية للعلاقة بين الصين وإيران، لأن من وجهة نظر بكين كانت احتياجات طهران الملحة للأسلحة الرخيصة وسيلة لإعادة تطبيع العلاقات مع إيران، كما كانت طريقة لإعادة فتح القنوات والحوار مع القادة الإيرانيين، والتظاهر أمام هؤلاء الزعماء الجدد والمشككين بشدة في الصين الشيوعية، بأن الصين يمكن أن تقدم لإيران مساعدة عملية وفعالة للغاية للمشاكل الأمنية الإيرانية، كما برزت الصين بحلول السنوات الأخيرة من الحرب الإيرانية العراقية، باعتبارها الداعم الرئيسي لطهران في إجراءات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لإنهاء هذه الحرب.

يذكر هنا أن أحد أهم الدروس التي تعلمتها طهران من الحرب الإيرانية العراقية وبعدها الأمريكية مع العراق، هي افتقار العراق إلى أسلحة الدمار الشامل التي كان يهدد بها ولا يملكها، وهذا هو السبب الذي جعل طهران بعد ذلك تتخذ موقفًا متشددًا من برامجها النووية، وسعت إلى توسيع نفوذها في العالم العربي، وهي الأنشطة التي تهدد بشكل مباشر مواقع الهيمنة الأمريكي في الشرق الأوسط، فالقوة العسكرية وحدها هي التي يمكن أن تردع الولايات المتحدة.

وهكذا نلاحظ كيف تتبع سياسات الدعم الصيني لإيران في صراعها ضد الهيمنة الأمريكية من التحليل لتصورات النخبة الصينية للصراع الإيراني الأمريكي، والذي يستند على تقديم بكين لمساعدة كبيرة لإيران في كفاحها ضد الهيمنة الأمريكية، والدليل أنه في المناقشات التي جرت في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بين أواخر عام 2003 وأواخر عام 2014، منحت الصين جمهورية إيران الإسلامية درجة كبيرة من الدعم ضد الضغوط الدولية التي تقودها الولايات المتحدة، لكن الصين صوتت في النهاية «نعم» لدعم المقترحات التي أقرتها الولايات المتحدة، وهو دليل على الأولوية التي توليها بكين لعلاقتها الحيوية مع الولايات المتحدة، لكن من جهة أخرى وعلى طول الطريق أخرّت الصين العقوبات التي واجهت طهران إلى أقصى حد.

كما قدمت بكين دعمها الأكثر أهمية لإيران، وذلك من خلال إبقاء الباب مفتوحًا أمام الاستثمار الصيني في قطاع الطاقة الإيراني، حيث كانت شركات النفط الغربية الأوروبية والكندية أكبر شركاء إيران في مجال الطاقة الأجنبية في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، لكن مع تزايد القلق الدولي بسبب البرامج النووية الإيرانية، أصبحت الشركات الغربية حذرة من المخاطر السياسية التي ينطوي عليها القيام بمزيد من العمليات في إيران وترددت في الاضطلاع بالتزامات جديدة، فيما كانت الشركات الصينية قد اختبرت المياه لأول مرة في استغلال النفط والغاز الإيراني في عام 2006، ثم تعهدت بين عامي 2007 و 2009 باستثمار ما يقرب من 48 مليار دولار أمريكي في مشاريع الطاقة الإيرانية، ما طغى على جميع المستثمرين الأجانب الآخرين، وجعل الصين شريكًا رائدًا للطاقة في إيران بهامش كبير.

هذا وقد عملت الصين في أغلب الأوقات على إضعاف عقوبات مجلس الأمن التي تستهدف إيران، فأثناء التفاوض على القرار 1747، الذي صدر في مارس (آذار) 2007 على سبيل المثال، دفعت الولايات المتحدة إلى فرض حظر على القروض الحكومية لعمليات الأعمال (التجارية) في إيران، لكن الصين رفضت ذلك ووافقت فقط على عقوبات تستهدف شركات إيرانية محددة تم تحديدها بأنها مشاركة في برامج إيران النووية أو الصاروخية، والقرار الذي نتج في النهاية دعا الدول إلى عدم منح «مساعدة مالية وقروض ميسرة» لحكومة إيران، ومرة أخرى كانت بكين متوازنة مع الولايات المتحدة وتوصلت في النهاية إلى اتفاق مع واشنطن، ثم صوتت لصالح مجموعات عقوبات متتالية من مجلس الأمن.

كما أنه وطوال فترة العقد الأول من القرن الحالي، ساعدت الصين جهود التطوير العسكري لإيران، وعلى المسار الآخر ساعدت بكين طهران بهدوء على تعزيز قدراتها الدفاعية الوطنية، حيث كان سياق هذه المساعدات مواجهة التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل حول البرامج النووية الإيرانية، حيث حذرت واشنطن بشكل دوري من أن الوقت بدأ ينفد للتوصل إلى حل دبلوماسي، وأن كل الخيارات تبقى مطروحة على الطاولة، لكن بكين في مناقشات مجلس الأمن حول القرارات التي تستهدف إيران، استخدمت حق النقض الفيتو ضد التهديد الذي يلمح بالتهديد العسكري ضد إيران، كما أصرت على أن تتم تسوية القضية النووية الإيرانية بشكل حصري بالوسائل الدبلوماسية، وذلك من خلال المحادثات والمشاورات والحوار والتفاوض (واستبعدت القوة بشكل واضح)، حيث أن الضربة العسكرية كانت الهدف النهائي للدفع الأمريكي لفرض عقوبات على إيران وإدانة برامجها العسكرية (النووية خاصة).

هذا وإنّ الجهود التي تبذلها بكين لإدماج إيران في (مبادرة الحزام والطريق) تشكل بداية فصل جديد لما كان بالنسبة للصين شراكة متعددة الأوجه وذات منافع متبادلة مع جمهورية إيران الإسلامية، وعلى الرغم من أن هذه الشراكة استغرقت سنوات طويلة، إلا أنها اكتسبت قدرا أكبر من الملاءمة والتعقيد في أعقاب إزاحة صدام حسين عن السلطة عام 2003، وما أعقب ذلك من إعادة تشكيل ديناميكيات السلطة في الخليج، والجدل حول البرنامج النووي الإيراني، لكن خلال هذه الفترة برزت إيران رغم تعرضها لضغوط متزايدة من العقوبات لتصبح أكثر حزما وتأثيرا (من وجهة نظر جيرانها العرب في الخليج والولايات المتحدة).

وأخيرًا يذكر أنه مع تنامي نطاق وإمكانات علاقات الصين مع إيران، أصبحت كذلك أكثر تعقيدًا وصعوبة في الإدارة، حيث أعلن بنك التنمية الصيني (CDB) أنه سوف يستثمر 890 مليار دولار في 900 مشروع في أكثر من 60 دولة بما في ذلك خط سكة حديد فائق السرعة من مقاطعة شينجيانغ في شمال غرب الصين إلى طهران، كما أنه في 26 يناير (كانون الثاني) عام 2016 جرى افتتاح طريق شحن جديد يربط إيران والشرق الأوسط بمنطقة قوانغشي ذاتية الحكم في الصين، كما وصل القطار الذي يربط بين الصين وإيران في رحلته الأولى التي تزيد على 10 آلاف كيلومتر إلى طهران بعد 14 يومًا من انطلاقه من ييوو في إقليم تشيجيانغ الشرقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد