حينها كنتُ في السجن، وكنت أقرأ رواية لأحلام مستغانمي، وجاء في إحدى صفحاتها: (خلق الله العالم كيّ يؤلف بيتهوفين سيمفونيّته التاسعة)، حينها – وبالرغم من اعتراضي على النصّ من ناحية شرعية – اضطرمت في نفسي الرغبة لأسمع هذه السمفونيّة التي قيل فيها لشدّة حسنها أنّ الله خلق العالم من أجل أنّ يؤلفها بيتهوفين، ولسوء طالعي، أنّ هذه الرغبة المضطرمة في نفسي لم يكن بإمكاني تحقيقها بحكم واقع السجن، ولمّا أن منّ الله عليّ بالإفراج، أخمدت النار المضطرمة في نفسي بسماع هذه السيمفونيّة، وقد لمست فيها بحقّ جمالًا باهرًا تستلذ به النفس وتعجب به.

الموسيقى يا سادة، آيةٌ من آيات الجمال في هذا الكون، وإذا كان الله – عزّ وجلّ – قد خلق هذا الكون الخضم وأفاض فيه من آيات الجمال ما لا يحصى ولا يعدّ، فإنّ الفنّ المحكوم بالذوق والأدب، هو وسيلةٌ من وسائل استشعار هذا الجمال المسكوب في آفاقِ هذا الكون الفسيح، والحقّ إنّ المرء ليعجب- بحكم فطرته الإنسانيّة الميّالة لتذوق الجمال الذي تأنس به النفس وتعجب لرؤيته وسماعه – لآراء أولئك الغلاة، الذين يريدون قمع الفطرة الإنسانيّة المحبّة لتذوق الجمال، بل وليّ أعناق نصوص دين الفطرة، الذي جاء ينظم الغريزة الإنسانيّة ويهذبها لا ليقوم بقمعها والقضاء عليها.

لقد شنّ بعض من الدعاة حَملات، وخاضوا معارك حامية الوطيس للقضاء على ظاهرة الغناء والموسيقى، بل وشاهدت في أحد الأيام مقطعًا يقوم فيه داعية إلى الله بتحطيم آلةٍ موسيقية، وكأنّها سبب انتكاس الإسلام وارتكاسه، أو كأنّها سبب من الأسباب التي حوّلت هذه الأمّة من خير أمّة أخرجت للناس إلى أمّة غثاء السيل، وبعضهم يحرّم الغناء والموسيقى مستدلًا بالآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ)، إنّ اللهو يندرج تحت إطار المناشط الإنسانيّة المباحة، وهو كلّ ما يشتغل به الإنسان وينشغل به عن سواه، وقد ورد ذُكر اللهو في موضعٍ آخر في القرآن الكريم مع المناشط الإنسانيّة الأخرى، منها الفرائض والضرورات والمباحات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)) لقمان، فالبيع ليس حرامًا إذا لم يلهنا عن الفرائض كالصلاة، واللهو ليس حرامًا إذا لم يلهنا عن الفرائض أيضًا، فاللهو ليس حرامًا لذاته وعينه، وإنّما يحرّم إذا شُغل به الإنسان عن الواجبات.

ولله درّ حجة الإسلام أبو حامد الغزالي إذ يقول: «إن الأصل في الأصوات حناجر الحيوانات، وإنما وضعت المزامير على أصوات الحناجر، وهو تشبيه للصنعة بالخلقة التي استأثر الله تعالى باختراعها، فمنه تعلّم الصناع، وبه قصدوا الاقتداء، فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيبة أو موزونة، فلم يذهب أحد إلى تحريم صوت العندليب، ولا فرق بين حنجرة وحنجرة، ولا بين جماد وحيوان، فينبغي أن يقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة من سائر الأجسام باختيار الآدمي، كالذي يخرج من حلقه أو من القضيب والطبل والدف وغيرها، ومن لم يهزه العود وأوتاره، والروض وأزهاره، فهو فاسد المزاج، ليس له علاج!»

فإذا كان من غير المنطقي تحريم الأصوات الجميلة إذا جاءت من حنجرة بلبل أو عندليب أو كروان، فمن غير المنطقي أيضًا أنّ تحرّم إذا جاءت من حنجرة إنسان، وإذا كان من غير المنطقي تحريم أنغام الأشجار والأوراق حينما تهزّها الرياح، فإنّه من غير المنطقي أيضًا تحريم الأنغام إذا صدرت من آلة موسيقية في عصرٍ من الأعصار.

ولقد أُقرّ الغناء في عهد النبيّ محمد – عليه الصلاة والسلام – كما ورد ذلك في عددٍ من الأحاديث الصحيحة التي تدلّ على حلّ الغناء، ومنها ما رواه البخاري عن عائشة: «دخل رسول الله – صلى الله عليه وسلّم – وعندي جاريتان تغنيّان بغناء بُعاث، فاضجع على الفراش وحوّل وجهه، فدخل أبو بكر، فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند رسولِ الله، فأقبل عليه رسول الله وقال: دعهما»، ونحن هنا أمام حادثة أقرّ فيها النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – حلّ الغناء، وتحويل الوجه كما ذكر أهل العلم إنمّا هو لغضّ البصر.

ومنها ما رواه البخاري – أيضًا – عن عائشة أنّها زفّت امرأة إلى رجلٍ من الأنصار، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا عائشة، أما كان معكم لهو؟ فإنّ الأنصار يعجبهم اللهو»، بلّ ورشّح لها النبيّ الكلمات كما ذُكر في الرواية.

ويروي النسائي عن السائب بن يزيد، أنّ امرأة جاءت إلى رسول الله، فقال لعائشة: «يا عائشة، أتعرفين هذه؟ قلت : لا يا نبي الله، قال: قنية بني فلان، تحبين أن تغنيك؟ فغنتها».

ويروي النسائي أيضًا عن عامر بن سعد يقول: دخلت على قرظة بن كعب، وأبي مسعود الأنصاري في عرس، وإذا جوار يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول الله، ومن أهل بدر، يفعل هذا عندكم؟ فقالا: «اجلس إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت اذهب، فقد رُخّص لنا في اللهو عند العرس».

وقد ورد تسعة عشر حديثًا تنهى عن الغناء والمعازف أو تحرّمها، وهذه الأحاديث علاوة على أنّها تعارض الأحاديث الصحيحة المذكورة، لم يسلم منها حديث واحد من القدح برواته!، وفي بعض الأحاديث والفتاوى ما يحرّم الغناء ليس لذاته ولعينه، وإنمّا لما يُقرن به من المحرمات، كمجالس الخمر، أوّ لصدّ الناس عن القرآن كالتغبير – وهو لون من الغناء – افتعله الزنادقة ليصدوا الناس عن القرآن.

«وإذن، فسماع الآلات، ذات النغمات أو الأصوات الجميلة، لا يمكن أنّ يحرم باعتباره صوت آلة، أو صوت إنسان، أو صوت حيوان، وإنما يحرم إذا استعين به على محرّم، أو اتخذ وسيلة إلى محرم، أو ألهى عن واجب». د. محمد عمارة.

وهكذا، وبحكم المنطق السويّ في التفكير، ينظر الإسلام – دين الفطرة – الذي جاء يحثّ على الجمال، وينظم غرائز الإنسان ويهذبها، إلى الغناء والمعازف. لم يكن الإسلام يومًا دينًا أسود، مقطّب الجبين، يحرم الإنسان من التلذذ باللهو والجمال، بل أحلها وجعلها من المباحات في ضوابط.

في النهاية أقول: إنّه ينبغي على الإنسان الذي أكرمه الله – عزّ وجلّ – بالعقل، ومنّ عليه أن خلقه بفطرةٍ سويّة، أنّ يُخضع كلّ ما يسمع لعقله، ولفطرته الإنسانيّة، حتّى يستطيع أن يكشف زيوف ما يكرره بعض الدعاة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، والإسرائيليات المكذوبة، والقصص والمنامات الواهية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد