سمة أشياء مشتركة كثيرة بين محنتي الإخوان المسلمين في عهد ناصر وعهد الانقلابي عبد الفتاح السيسي، فقد اتفق الاثنان على القضاء على الإخوان المسلمين بعدما كادت أن تصل إلى سدة الحكم في الحالتين، منقلبين بذلك على إرادة الشعب إما بمنعها من المطلق من التحقق، أو الانقلاب عليها.

إلا أن تأثر الإخوان بالمحنتين كان مختلفًا، ويعود السبب في ذلك إلى الآتي:

1- كان ناصر يمتلك جميع وسائل الإعلام والاتصال في يديه، فاستطاع أن يغيب الرأي العام تمامًا بصفة كبيرة، بينما في محنة السيسي فيمتلك الإخوان العديد من القنوات الإعلامية بالإضافة إلى عالم الإنترنت الفسيح؛ مما أدى إلى خلق رأي عام مضاد، وسهولة الوصول إلى الحقيقة وإقناع قطاع كبير من الجمهور بخطأ الانقلاب، فأصبحت هيمنة الطاغية على الإعلام جزئية وليست كلية، وهذا سيساعد في استجماع الإخوان لشعبيتهم بعد زوال المحنة بسرعة أكبر، حيث لم يفقدوا الكثير بسبب المحنة مثلما حدث أيام ناصر.

2- التوسع الدولي للإخوان، ففي محنة ناصر لم يكد يمر على الجماعة بضعة وعشرون عامًا فلم تكن توسعت إلا في مصر وبعض البلاد العربية بأعداد قليلة، فلم يكن لها ثقل دولي كبير مثلما هو الآن، وهو ما يساعدها على المستوى الدولي في بناء علاقات خارجية أسرع أيضًا سيجعل بعد تخطيها للمحنة سهولة في قبول المجتمع الدولي لها والاعتراف بشرعيتها.

وليس أدل على ذلك من عدم اعتراف بريطانيا بإرهابية الإخوان بعد طلب من مصر بوضعها على قوائم إرهاب بريطانيا، واعتراف مصطفى الفقي بقوة التنظيم الدولي للإخوان خارج مصر؛ حيث استطاعوا إقناع أغلب الجاليات العربية الإسلامية والأوروبيين بأن ما حدث في مصر انقلاب، ونظام غير شرعي يقتل مواطنيه من أجل السلطة.

3- تأييد بعض الدول العربية للإخوان وعداوتهم للسيسي، مثل قطر وتركيا، ومدافعتهم في المحافل الدولية والأوروبية والعربية عن الإخوان ساهم في نوع من التوازن في الصراع إلى حد ما، مما حجم النظام وقدرته على اتخاذ عديد من القرارات، منها قرارات بالإعدام في حق قيادات الجماعة، وهو عكس ما حدث في محنة 54 أو 65 من إعدام لسيد قطب وعبد القادر عودة وغيرهما.

4- وجود حالة من النشوة لدى الشعوب للتحرر، فبعد 54 غاب الإخوان عن المشهد نهائيًّا، وانعدمت المظاهرات، ووضع أكثر من 30 ألفًا في السجون، لكن بعد 2013 ما زال الحراك الثوري مستمر (يخبو أحيانًا ويزيد أحيانًا) لكنه لم يتوقف، وهو ما يؤكد على أن النظام غير قادر على تغييب الإخوان مثلما حدث في 54، رغم كثرة المذابح والاعتقالات عن محنة 54، وسيساعد هذا في تكوين صورة ذهنية قوية في حال تخطي المحنة الحالية عن نضال الإخوان بجانب ثباتهم، مما سيجعلهم أيقونة للنضال الثوري العالمي، لكن هذا مرتبط بتحقيق الانتصار على النظام.

5- تغير الوضع الجيوسياسي والعسكري بالمنطقة العربية، وخاصة حول مصر، فبالنسبة للمنطقة العربية تصاعد الحركات الجهادية وثأر الشعوب من حكامهم بالسلاح وهو ما حدث في سوريا والعراق، ومحاربة جيش بشار وجيش المالكي من قبل الإسلاميين، أما حول مصر فتغير الوضع أيضًا، فمن الشرق تسيطر حركة حماس عسكريًّا على قطاع غزة. بينما من الغرب يسيطر الثوار ذوو الميول الإسلامية على أغلب مناطق ليبيا، وهو ما يسبب قلقًا أمنيًّا وعسكريًّا للنظام وللغرب على السواء، إذ إن الإفراط في قتل الإخوان سينتج عنه بؤر سيناوية عديدة تنتقل في كل محافظات مصر تهدد بسورنة أو عرقنة الحالة المصرية، مما يهدد مصالح الغرب وإسرائيل.

وهو ما يعطي ميزة استراتيجية للإخوان في إمكانية قلب المعادلة في المنطقة إذا تخلوا عن سلميتهم.

6- عدم وجود كاريزما للسيسي عربيًّا أو دوليًّا مثل عبد الناصر الذي كان يدعو إلى تحرر الشعوب – أو هكذا سوق لنفسه- مما أفقده البعد الجماهيري العربي والعالمي، وتسريبات الإخوان للسيسي هدمت من أسطورته كرجل جيش ومخابرات، فأصبح الطاغوت مفضوحًا على مستوى دولي، معبرة عن هشاشة دولته وأجهزتها الأمنية وقيادته لها.

7- رغم أن هذه المحنة هي الأشد وطأة من سابقتها من حيث أعداد الشهداء والجرحى والأسرى والمعذبين والمغتصبات من النساء في سجون النظام، إلا أن الإخوان سيخرجون أشد قوة منها عن محنة 54، ولن يخسروا كثيرًا لا من شعبيتهم ولا من مناطق نفوذهم، وما خسروه سيصبح تعويضه أمرًا يسيرًا لن يستغرق وقتًا كبيرًا، بل سيكونون قد اكتسبوا خبرة عميقة في التعامل السياسي مع الدولة العميقة، بعد أن تعلموا درسًا ضحوا من أجل تعلمه بدمائهم وأرواحهم.

8- عقب الخروج من محنة 54 لم يكن للإخوان تنظيم قوي، فقد ضعفت الدعوة كثيرًا، ووهن التنظيم للغاية لكنه لم يمت، وكان الظرف السياسي لا يسمح بمشاركة الإخوان في الحكم، ولا الفكر المترسخ في عقل الشعوب يسمح بتداول السلطة، ولا ذهاب الحاكم، لذلك لم يكن الإخوان بديلًا للنظام، أما في هذه المحنة فلو فرضنا سقوط النظام في أي لحظة فإن الشاهد المنصف سيقول فورًا البديل هم الإخوان المسلمين، فالجماعة ما زالت تمتلك التنظيم والقدرة.

خطوات لا بد منها

بقي نقطة أخيرة ينبغي على الإخوان عدم إغفالها إن أرادوا أن يستعيدوا قوتهم بأسرع وقت، وهو استمرار العمل الدعوي، وخاصة الدعوة الفردية وإن تغيرت الوسائل والأساليب الاستمرارية في تربية الشباب لا سيما النشء منهم 13- 18 سنة، هذا سيجعل الإخوان بعد 5 سنوات أقوى وأمضى عزمًا، وسيصب على المستوى الاستراتيجي في قوتها.
تجهيز الكوادر الحاكمة ووضع تصور متكامل لكل المشكلات الموجودة حاليًا، والتي ستنشأ عقب العودة للحكم بما فيها كيفية إزاحة الطابور الخامس والدولة العميقة والفراغ الذي سيترتب على إزاحة هؤلاء حتى لا تسقط الدولة سقوطًا إداريًّا وأمنيًّا كبيرًا.

إن المعركة بين الإخوان والنظام ليست معركة لحظية، إنما هي معركة سنوات كلما كان الإعداد للقادم أفضل، كلما أدى ذلك إلى خروجهم من المحنة واستعادة زمام الأمور سريعًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد