تندّر البعض عبر مواقع التواصل الاجتماعي من مطالبة مرشد الإخوان المسلمين د. محمد بديع قاضي المحكمة فكّ أسره لتحرير القدس، ووصف آخرون الموقف بأنه مزايدة واصطياد في الماء العكر على عادة الإخوان.

أوقن أن الظروف المُحبطة التي تعيشها الأمّة تدفع إلى تبني تصورات لا تعتقد بوجود أمثال هذه الهمم العالية، لا سيّما أن الحكام العرب الذين يقتطعون من أقوات شعوبهم لتعزيز ترسانتهم المسلحة لم يحركوا جناح طائرة لنصرة القضية الفلسطينية، كما أن هؤلاء الإخوان المسلمين ومرشدهم لم يسعوا لتحرير أنفسهم من سجون النظام المصري فكيف يحررون القدس؟

أو ربما يقود الجهل بطريقة عمل الإخوان وسابقة جهودهم في مناصرة قضايا المسلمين حول العالم إلى تخيّل هذا الشيخ السبعينيّ وقد خرج من محبسه ببدلة الإعدام الحمراء يوقف «ميكروباصًا» من أمام بوابة السجن ليتجه به إلى فلسطين للقتال.

ما فهمته من مطالبة مرشد الإخوان المسلمين أنّه يقصد تحرير الفكرة والدعوة والإرادة والعمل من أجل تحرير القدس وليس فقط تحرير شخص بعينه.

فعلى مدى تاريخها الطويل مع القضية الفلسطينية، نجحت جماعة الإخوان المسلمين في تنفيذ خطوات عملية حقيقية لتحرير الأرض المحتلة على العكس مما فعلته الأنظمة الحاكمة من تغييب للقضية وتمييع لها وصرف الناس عنها.

فمن ناحية عملت الجماعة على تعبئة الأمة معنويًا وفكريًا بالتعريف بحقيقة الصراع ودفع القضية إلى بؤرة الشعور العقدي من جديد عبر إصدار الكتب والنشرات وعقد الندوات والمحاضرات وتسيير المسيرات والمظاهرات تهييجًا للمشاعر الوطنية وتهيئة للخطوات التنفيذية.

ومن ناحية أخرى سعت إلى جمع التبرعات وإنشاء صندوق خاص لدعم فلسطين والإنفاق منه على إعداد وتدريب الشبان عسكريًا، وعندما عزّ عليهم شراء السلاح جابوا صحراء مصر الغربية يجمعون ما تبقى من سلاح الحرب العالمية الثانية لإصلاحه وإعادة استخدامه!

كما سعت الجماعة في عهد مؤسسها الإمام حسن البنا إلى توحيد الصف الفلسطيني لتقوية الجبهة الداخلية وخط المواجهة المباشر بالعمل على دمج أكبر منظمتين مسلحتين في فلسطين (النجاد والفتوة) في كيان واحد عرف باسم (منظمة الشباب العربي) قبل أن يتدخل الإنجليز لعرقلة الأمر.

لم يغفل الإخوان المسلمون الخط السياسي فخاطبوا الحكومات وراسلوا الجامعة العربية للسماح لهم بتسيير أفواج المتطوعين المسلحين للتحرير، واستقطبوا شخصيات ذات ثقل عربيّ للتحدث في مظاهراتهم الحاشدة للضغط على الأنظمة مثل الأمير فيصل بن عبد العزيز، ورياض الصلح، وجميل مردم وغيرهم.

عندما رفضت الأنظمة العربية – كعادتها – فتح باب الجهاد تحايل الإخوان على الرفض فأرسلوا المتطوعين إلى سيناء في شكل رحلات علمية وثقافية ومن هناك تسللوا إلى فلسطين منضمين إلى معسكرات المجاهدين لتبدأ مرحلة أخرى من عملية التحرير.

شارك الإخوان السلمون بكتائب المجاهدين من كل الأقطار العربية التي نمت فيها دعوتهم وما زال التاريخ يسجل لإخوان سوريا والعراق والأردن وغيرها من البلاد دورًا حقيقيًا في حرب التحرير التي وأدتها خيانة الأنظمة الحاكمة.

إذًا (هل يحرر مرشد الإخوان المسلمين القدس؟) – في اعتقادي أن الجماعة رغم كلّ أوجه القصور التي تعتريها تظل الأكثر قدرة على خدمة قضايا العالم الإسلامي وليس فقط القضية الفلسطينية، وأن ما بذلوه لنصرة القدس أجدى من كلّ ما فعلته الحكومات الإسلامية قديمًا وحديثًا.

وقد اتهم بالشطط عندما أقول إن إقصاء الإخوان المسلمين من سدّة الحكم في بعض الدول عقب ثورات الربيع العربي كان توطئة لتصفية القضية الفلسطينية بتآمر حكام عرب وأنظمة عالمية؛ فقد صدر قرار حلّ الجماعة أولًا في ديسمبر 1948 عقب مشاركتهم في حرب فلسطين وظهور قوتهم الميدانية والتفاف الشعوب العربية حول قياداتهم، ثم عاد المحتلّ ليصدر أوامره بالانقلاب عليهم في يوليو 2013 في ظل ظروف مشابهة لإخلاء الساحة الإسلامية من أهم حركة مقاومة للمخططات الصهيوأمريكية في المنطقة العربية.

ومن هنا تتضح أهميّة دفاع الشعوب عن حركاتها الوطنية المقاومة، والانتباه إلى محاولات المحتلّ قديمًا وحديثًا للقضاء عليها بسطًا لنفوذه، وتعزيزًا لتوغله، وأن هذه الجماعة وأخواتها ملك للأمة عامة وليس للمنتسبين إليها فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد